نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٢٠ - القسم الثالث انحراف الحكمين
آخر على أن تحكيم الحكمين كان مشروطاً بأن يتمّ على ضوء القرآن لا على أساس الأهواء النفسية والعقد الشخصية، فلم يعملا بهذا الشرط وهذا ذنبهم لا ذنب الإمام عليه السلام فقال:
«فَإِنَّمَا حُكِّمَ الْحَكَمَانِ لِيُحْيِيَا مَا أَحْيَا الْقُرْآنُ، وَيُمِيتَا مَا أَمَاتَ الْقُرْآنُ».
جدير بالذكر إنّه ورد نفس هذا المطلب الذي أشار إليه الإمام عليه السلام في متن العهد الذي أشرنا إليه سابقاً:
«وإنَّ كِتابَ اللَّهِ سُبحانَهُ بَينَنا مِنْ فَاتِحَتِهِ إِلى خاتِمَتِهِ نُحيي مَا أَحيا القُرآنُ ونُمِيتُ مَا أَماتَ».
ثم أضاف قائلًا:
«وَإِحْيَاؤُهُ الاجْتَماعُ عَلَيْهِ، وَإِمَاتَتُهُ الافْتِرَاقُ عَنْهُ»
، ووضح هذه العبارة من خلال التأكيد على مضمونها بالقول:
«فَإِنْ جَرَّنَا الْقُرْآنُ إِلَيْهِمُ اتَّبَعْنَاهُمْ، وَإِنْ جَرَّهُمْ إِلَيْنَا اتَّبَعُونَا».
فهذا الكلام منطقي يدركه من كان له أدنى فكر وشعور، لكن كأن الخوارج لم يتمتعوا حتى بهذه النعمة الإلهيّة، ثم بيّن الإمام عليه السلام هذا المطلب بتعبير أوضح بحيث يبدو وكأنّه اشتاط غضباً من جهلهم وكلامهم الذي يفتقر إلى المنطق فقال:
«فَلَمْ آتِ- لَاأَبَالَكُمْ- بُجْراً [١]، وَلَا خَتَلْتُكُمْ [٢]
عَنْ أَمْرِكُمْ، وَلَا لَبَّسْتُهُ عَلَيْكُمْ، إِنَّمَا اجْتَمَعَ رَأْيُ مَلَئِكُمْ عَلَى اخْتِيَارِ رَجُلَيْنِ، أَخَذْنَا عَلَيْهِمَا أَنْ لَايَتَعَدَّيَا الْقُرْآنَ»
، لكنّهم فقدوا عقلهم «إيمانهم» وتركوا الحق وهم يرونه بام أعينهم، كما كان الظلم والجور ديدنهما وهواهما فاتخذوا سبيلًا وقد كنّا اشترطنا عليهما قبل أن يحكما بذلك الحكم الظالم أن يستندا إلى العدل ولا يهملا الحق:
«فَتَاهَا عَنْهُ، وَتَرَكَا الْحَقَّ وَهُمَا يُبْصِرَانِهِ، وَكَانَ الْجَوْرُ هَوَاهُمَا فَمَضَيَا عَلَيْهِ. وَقَدْ سَبَقَ اسْتِثْنَاؤُنَا عَلَيْهِمَا- فِي الْحُكُومَةِ بِالْعَدْلِ، وَالصَّمْدِ [٣] لِلْحَقِّ- سُوءَ [٤] رَأْيِهِمَا، وَجَوْرَ حُكْمِهِمَا».
فالواقع أنّ زبدة الكلام الإمام عليه السلام هى:
أولًا: إنّ انتخاب الحكمين كان على أساس ضغطكم وإصراركم على هذا الأمر، فان كان
[١] «بجر»: بضم الباء الشر والأمر العظيم، كما ورد بمعنى اتساع البطن وملأها.
[٢] «ختلت»: من مادة «ختل» على وزن قتل بمعنى المكر والخداع.
[٣] «الصمد»: بمعنى المكان المرتفع، كما يرد بمعنى القصد وعدم الاعتماد وهذا هو المعنى المراد في العبارة.
[٤] «سوء»: مفتوح مفعول سبق الذي ورد في أول العبارة ومفهوم الجملة قبل أن يبدي هؤلاء الرأي الظالم والفاسد قد اشترطنا عليهم إننا سوف لن نقبل رأيهم إن حاد عن الحق.