نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٣٤ - فتنة المغول
موفقاً منصوراً في الحرب، كما كان عسكره من الأفراد الشجعان وكانوا يعيشون بصورة شبه وحشية وأنّهم من أصبر الناس على القتال، لا يعرفون الفرار ويعلمون ما يحتاجون إلى من السلاح بأيديهم، وأنّ خيلهم لا تحتاج إلى الشعير، بل تأكل نبات الأرض وعروق المراعي، وأنّ عندهم من الخيل والبقر ما لا يحصى، وأنّهم يأكلون الميتة والكلاب والخنازير وهم أصبر خلق اللَّه سبحانه على الجوع والعطش والشقاء، وثيابهم أخشن الثياب مسّاً، ومنهم من يلبس جلود الكلاب والدواب والميتة، وأنّهم أشبه شيء بالوحش والسباع، كانوا يقتلون كل من يرونه من الرجال ويغنمون الأموال ويحرقون المدن ويسبون النساء الأطفال، لقد دخلوا من شرق ايران وأشاعوا الخوف والرعب بحيث لم يفكر أحد في مواجهتهم، ومن قاومهم استسلم أخيراً لهم، وأحياناً كانت تفتح لهم أبواب المدن بعد أن يعطيهم التاتار الأمان حين يطلبونه، ولكنّهم كانوا ينقضون عهدهم ويقتلون أهالي المدن ويسبون النساء والأطفال ويعذبون الناس بأنواع العذاب في طلب المال .. ومن العجيب في هذ الأحداث أنّهم وصلوا إلى إصفهان بعد أن سيطروا على المدن الإيرانية، فحصلت بين الفريقين مقتلة عظيمة، ولم يبلغوا منها غرضاً حتى اختلف أهل إصفهان في سنة ثلاث وثلاثين وستمائة وهم طائفتان: حنفية وشافعية، وبينهم حروب متصلة وعصبية ظاهرة، فخرج قوم من أصحاب الشافعي إلى ما يجاروهم ويتاخمهم من ممالك التتار، فقالوا لهم: اقصدوا البلد حتى نسلمه إليكم، وفتحت أبواب المدينة فلما دخلوا البلد بدؤا بالشافعية فقتلوهم قتلًا ذريعاً، ولم يقفوا مع العهد الذي عهدوه لهم، ثم قتلوا الحنفية، ثم قتلوا سائرالناس وسبوا النساء وشقوا بطون الحبالى ونهبوا الأموال وصادروا الأغنياء، ثم أضرموا النار، فأحرقوا إصفهان حتى صارت تلولًا من الرماد.
ثم ساروا إلى بلاد العرب فهجموا على بغداد فتصدى لهم عسكر بغداد وثبت أحسن ثبوت ورشقوهم بالسهام، وبعد مدّة توفي جنكيز وخلفه حفيده هولاكو الذي تمكن من السيطرة على بغداد بعد أن قتل آخر خلفاء العباسيين المستعصم باللَّه وقد أنهى حكومتهم بذلك.
وبقي المغول في إيران والبلدان الإسلامية وقد فقدوا ما طبعوا عليه من وحشية بالتدريج وتأثروا بالثقافة الإسلاميه، وأسلم هولاكو حتى تشيع السلطان محمد خدابنده أحد سلاطين المغول [١].
[١] شرح نهج البلاغة ابن أبي الحديد ٨/ ٢١٨- ٢٥٢، وقاموس دهخدا مفرد المغول.