نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٣٢ - القسم الثاني لا يبقى من القرآن سوى اسمه
شَيْءٌ أَخْفَى مِنَ الْحَقِّ، وَلَا أَظْهَرَ مِنَ الْبَاطِلِ، وَلَا أَكْثَرَ مِنَ الْكَذِبِ عَلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ»
، كما ليست لدى الناس من سلعة أبور من القرآن الكريم آنذاك إن فسّر وتلي حق تلاوته، بينما يزداد الإقبال عليه إن حرّف عن معناه الحقيقي:
«وَلَيْسَ عِنْدَ أَهْلِ ذلِكَ الزَّمَانِ سِلْعَةٌ [١] أَبْوَرَ [٢] مِنَ
الْكِتَابِ إِذَا تُلِيَ حَقَّ تِلَاوَتِهِ، وَلَا أَنْفَقَ [٣] مِنْهُ إِذَا حُرِّفَ عَنْ مَوَاضِعِهِ؛ وَلَا فِي الْبِلَادِ شَيْءٌ أَنْكَرَ
مِنَ الْمَعْرُوفِ، وَلَا أَعْرَفَ مِنَ الْمُنْكَرِ! فَقَدْ نَبَذَ الْكِتَابَ حَمَلَتُهُ، وَتَنَاسَاهُ [٤] حَفَظَتُهُ».
نعم، ستظهر غيوم الجاهلية ثانية في سماء الإسلام فتحجب شعاع شمس النبوّة والقرآن فيتغير كل شيء وتنطمس حقائق الإسلام ويستولي سليلوا أئمّة الكفر والشرك والوثنية على الحكومة الإسلامية فتعاني الامة من ظلمات الجهل والجور، والسؤال المطروح أي زمان هذا الذي أشار إليه الإمام عليه السلام؟ هل المراد زمان معين؟ أم الحكومة مفهوم عام ويشمل مختلف الأزمنة حتى زماننا الحاضر؟ هناك خلاف بهذا الشأن بين شرّاح نهج البلاغة، ولكن بالنظر إلى العبارة «سيأتي» التي تفيد عادة الإخبار عن المستقبل القريب والتعبير ب «عليكم» ومن بعدي التي تشير إلى درك مخاطبيه له، يبدو أنّه إشارة إلى زمان سيطرة بني امية ومعاوية ويزيد وسائر حكامهم الذين تنطبق عليهم هذه الصفات، نعم، فهؤلاء الذين كتموا الحق وقطعوا رقبة كل من تعصب له، إلى جانب ذلك فقد إتسق سوق الكذابين والوضاعين والمتملقين لبني امية ممن اندفع في مدحهم والثناء عليهم، فقد ظهرت المنكرات في كل مكان وضاع المعروف.
طبعاً لا ننكر أنّ هذا الأمر حدث ويحدث في سائر الأزمنة وحتى في عصرنا، مع ذلك فمراد الإمام عليه السلام من هذه العبارات العصر المظلم لبني امية.
ثم خاض الإمام عليه السلام في وضع القرآن وأصحابه في ذلك الزمان المظلم وشرح علّة بؤس الناس آنذاك والتي تتمثل بابتعادهم عن القرآن: «فَالْكِتَابُ يَوْمَئِذٍ وَأَهْلُهُ طَرِيدَانِ [٥] مَنْفِيَّانِ [٦]،
[١] «سلعة»: المتاع والبضاعة.
[٢] «أبور»: من مادة «بوار» شدّة كساد الشيء والأرض البائر والبوار الميتة الخالية من النبات.
[٣] «أنفق»: فعل تفضيل من مادة «نفاق» لها معاني مختلفة واريد بها هنا غلاء السلعة ورواجها.
[٤] «تناسا»: من مادة نسيان.
[٥] «طريدان»: مثنى «طريد» من مادة طرد ومعناها معروف.
[٦] «منفيان»: من مادة «نفي» بمعنى الابعاد.