نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٧ - القسم الخامس الاعتبار بالموتى
أمّا قوله عليه السلام
«فَلا يُدْعَوْنَ رُكْبَاناً»
والركبان جمع راكب وذلك لأنّ الراكب من يكون مختاراً، ولا اختيار لهؤلاء، وقوله عليه السلام
«فَلَا يُدْعَوْنَ ضِيفَاناً»
لأنّ الضيف يرد برغبته وإرادته إلى المكان الذي يستقبل فيه، وقد ورد مثل هذا المعنى في الخطبة ١٨٨ من نهج البلاغة إذ قال عليه السلام:
«حُمِلُوا إِلَى قُبُورِهِمْ غَيْرَ رَاكِبينَ، وَأُنْزِلُوا فِيهَا غَيْرَ نَازِلِينَ».
ثم قال الإمام عليه السلام مواصلة لوصفهم:
«وَجُعِلَ لَهُمْ مِنَ الصَّفِيحِ [١] أَجْنَانٌ [٢]، وَمِنْ التُّرَابِ أَكْفَانٌ، وَمِنْ الرُّفَاتِ [٣] جِيرانٌ».
فالعبارة إشارة إلى أنّ قبورهم خالية من البناء والسقوف والأعمدة والأبواب والنوافذ، فهى ليست أكثر من قبضة من الحجر والتراب على وجه الأرض، والتعبير عن التراب بالكفن فذلك لأنّه يحيط ببدن الميت ويواريه كالكفن، وأمّا ذلك الكفن الذي يلف به الميت فهو مؤقت سرعان ما يبلى ويزول، ولا يبقى سوى الكفن الأصلي وهو التراب.
والجدير بالذكر هو أنّ الإمام عليه السلام واصل كلامه بالحديث عن هؤلاء الجيران وهم ليسوا أكثر من عظام نخرة، فيكشف النقاب عن حقيقة وضعهم بعبارات غاية في الجمال والروعة، وبما يدعو للتأمل والاعتبار: «فَهُمْ جِيرَةٌ لَا يُجِيبُونَ دَاعِياً، وَلَا يَمْنَعُونَ ضَيْماً [٤]، وَلَا يُبَالُونَ مَنْدَبَةً [٥]».
أضف إلى ذلك فهم على درجة من عدم الإكتراث بأي شيء بحيث:
«إِنْ جِيدُوا [٦] لَمْ يَفْرَحُوا، وَإِنْ قُحِطُوا لَمْ يَقْنَطُوا. جَمِيعٌ وَهُمْ آحَادٌ، وَجِيرَةٌ [٧] وَهُمْ أَبْعَادٌ. مُتَدَنُونَ لَا يَتَزَاوَرُونَ، وَقَرِيبُونَ لَا يَتَقَارَبُونَ».
حقاً، أنّهم عبرة لمن اعتبر وأوضاعهم مدعاة إلى التأمل والنظر، فكل شأن من شؤونهم يختلفت ماماً وما عليه الحال بالنسبة لأهل الدنيا، فقد كانوا معاً حتى أمس القريب، ينجد
[١] «صفيح»: وردت هنا بمعنى وجه الأرض، من مادة «صفح» على وزن مدح.
[٢] «أجنان»: جمع «جنن» على وزن كفن بمعنى القبر، وأصلها بمعنى التغطية والستر، ولما كان القبر يستر بدن الميت فقد اطلق عليه الجنن.
[٣] «رفات»: بمعنى كل شيء بالي ومتعفن، كما يراد بها العظام المندقة المحطومة والمتنافرة.
[٤] «ضيماً»: له مفهوم المصدر واسم المصدر ويعني الظلم.
[٥] «مندبة»: من مادة «ندبة» بمعنى البكاء.
[٦] «جيدوا»: من مادة «جود» على وزن قوم مبني للمجهول بمعنى مُطروا.
[٧] «جيرة»: جمع «جار» وغالباً ما تجمع جيران.