نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٦١ - القسم الثاني أعظم الفضائل
والمحرمات، وما إحياء الليل والصوم إلّاجانب من آثار خشية اللَّه تعالى التي تسمى بالتقوى.
ثم إختتم هذا المقطع من الخطبة بوصف طريقة عبوديتهم لربّهم بأنّهم آثروا المشقة والتعب على الراحة والكسل والعطش على الريّ، وقد شعروا بقصر الدنيا ودنو الأجل وهذا ما دعاهم إلى المسارعة في الخيرات ومبادرة الأعمال الصالحة، وعدم الخلود إلى الأمل بعد أن جعلوا الموت نصب أعينهم:
«فَأَخَذُوا الرَّاحَةَ بِالنَّصَبِ [١]، وَالرّيَ [٢] بِالظَّمَإِ. وَاسْتَقْرَبُوا الْأَجَلَ فَبَادَرُوا الْعَمَلَ، وَكَذَّبُوا الْأَمَلَ فَلاحَظُوا الْأَجَلَ».
نعم، ففي الوقت الذي ينغمس فيه أهل الدعة والراحة في مختلف الذنوب والأرجاس ترى هؤلاء يغضون الطرف عن الراحة بهدف مجانبة الذنوب والإتيان بالصالحات، وهم ليسوا كأهل الدنيا الذين خدعوا بها فوقعوا في حبائلها وآمالها الكاذبة.
والواقع هو أنّ العبارة «فبادروا» و «فلاحظوا» هى نتيجة ومعلول للعبارة «واستقربوا» و «كذبوا» يعني من يرى قرب الأجل وسرعة العمر يبادر بالعمل، ومن يكذب الآمال يفكر بالموت ويراه أمام عينيه، والطبع فانّ تحمل مصاعب وشدائد هذا العالم يؤدّي إلى سكينتهم الخالدة واستقرارهم التام، وهو ما عبّر عنه الإمام عليه السلام في موضع آخر بقوله:
«صَبَرُوا أَيَّاماً قَصِيرَةً أَعْقَبَتْهُمْ رَاحَةً طَوِيلَةً» [٣].
[١] أعظم الفضائل «نصب»: بمعنى العناء والتعب.
[٢] «الريّ»: بمعنى الارتواء من الماء.
[٣] نهج البلاغة، الخطبة ١٩٣ (همّام).