نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٠٤ - القسم الخامس أهمية القرآن و دور عبادة الدنيا فى الصراعات
بعض الآيات والروايات التي تصور راحة أولياء اللَّه سبحانه في الموت، ومن ذلك ما ورد في سورة الجمعة: «قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ للَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوْا الْمَوْتَ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ» [١]. وما ورد في سورة الواقعة: «فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ الْمُقَرَّبِينَ* فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ» [٢].
فمن الطبيعي ألا يكره الموت من يرى نفسه على أعتاب الروح والريحان والجنّة المليئة بالنعم، وقد ورد في الحديث النبوي الشريف:
«لَيسَ لِلمُؤمِنِ راحَةٌ دُونَ لِقاءِ اللَّهِ» [٣]
، كما ورد هذا المعنى بعبارة أخرى عن الإمام الصادق أنّه قال:
«لا راحَةَ لِلمُؤمِنِ عَلَى الحَقِيقَةِ إلّاعِندَ لِقاءر اللَّهِ» [٤].
وجاء في الدعاءالمعروف للإمام علي بن الحسين عليهما السلام في يوم الثلاثاء:
«وَاجعّل الحَياةَ زِيادِةً لِي فِي كُلِّ خَيرٍ وَالوَفاةَ راحَةً لِي مِنْ كُلِّ شَرٍ».
وقد ذكرت عدّة أجوبة على هذا السؤال أوضحها جميعاً أنّ هذه العبارة إشارة إلى الناس الذين يهربون عادة من الموت، بينما ليس لأمر كذالك بالنسبة لخواص اللَّه سبحانه، كما يحتمل أن يكون المراد كراهة حتى أولياء اللَّه تعالى للموت بفضله نهاية التزود ومواصلة مسيرتهم التكاملية، على كل حال فقد أراد الإمام علي عليه السلام هذه المقدمة على أنّها نتيجة وتشيبه للعلم والمعرفة التي يرتوي منها الإنسان مطلقاً فقال:
«وَإِنَّمَا ذلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْحِكْمَةِ الَّتِي هِيَ حَيَاةٌ لِلْقَلْبِ الْمَيِّتِ، وَبَصَرٌ لِلْعَيْنِ الْعَمْيَاءِ، وَسَمْعٌ لِلْأُذُنِ الصَّمَّاءِ، وَرِيٌ [٥] لِلظَّمْآنِ [٦]، وَفِيهَا الغِنَى كُلُّهُ وَالسَّلامَةُ».
فالواقع أراد الإمام عليه السلام أن هناك نوعين من الحياة حياة مادية وجسمانية والتي لا يشبع منها الناس غالباً، والحياة المعنوية والروحانية والأفضل منها العلم والمعرفة التي لا يرتوي منها العقلاء والعلماء قط، وبناءاً على هذا فانّ المشار إليه «ذلك» بالضبط هو ذلك الشيء الذي ورد
[١] سورة الجمعة/ ٦.
[٢] سورة الواقعة/ ٨٨- ٨٩.
[٣] شرح نهج البلاغة، لابن ميثم ٣/ ١٥٧.
[٤] بحار الانوار ٦٩/ ٦٩.
[٥] «ريّ»: له معنى مصدري هو الارتواء.
[٦] «الضمآن»: من مادة «ظمأ» على وزن طمع بمعنى العطش.