نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٧١ - القسم الرابع الحرص على الدنيا
وإحساسه بالقرب منه والفوز برضاه.
ثم واصل الإمام عليه السلام كلامه بأنّ الأمر إذا كان كذلك لابدّ أن يغنيكم سماع الحقائق المرتبطة بالآخرة بواسطة الأنبياء وأولياء اللَّه سبحانه وتعالى عن رؤيتها:
«فَلْيَكْفِكُمْ مِنَ الْعِيَانِ السَّمَاعُ، وَمِنَ الْغَيْبِ الْخَبَرُ»،
من البديهي أن يعجز الإنسان عن العالم الخارجي مادامه في زنزانة الجسد وفي دار الدنيا الظلماء الضيقة، فلا سبيل لإدراك أوضاع الآخرة وتفاصيلها سوى ما يوصله له هؤلاء العظام من أخبار يكتفي بها.
ثم تطرق الإمام عليه السلام إلى أمرين منطقيين بهدف التشجيع على الإتيان بالصالحات وإجتناب السيئات فقال:
«وَاعْلَمُوا أَنَّ مَا نَقَصَ مِنَ الدُّنْيَا وَزَادَ فِيِ الآخِرَةِ خَيْرٌ مِمَّا نَقَصَ مِنَ الآخِرَةِ وَزَادَ في الدُّنْيَا. فَكَمْ مِنْ مَنْقُوصٍ رَابِحٍ وَمَزِيدٍ خَاسِرٍ!»،
وهذا هو الأمر الذي أشار إليه القرآن الكريم بوضوح إذ قال: «مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ ...» [١].
وكما قال في موضع آخر: «إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ ...» [٢].
وبناءاً على هذا فالأموال والأعمار والإمكانات التي توظف في مسار الآخرة إن قللت في الظاهر شيئاً من الدنيا، ولكن في الواقع قد تضيف أحياناً مئة ضعف إلى ثواب الآخرة، وبالعكس فانّ الإنسان يدفع الثمن باهضاً إن أخلّ بشيء من آخرته وتنازل عن دينه وإيمانه وإنهمك بدنياه لينال شيئاً من حطامها، قال القرآن الكريم بهذا الخصوص: «إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا أُوْلَئِكَ لَاخَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ ...» [٣].
فهل هناك من عاقل مستعد لمعاوضة الصفقة الاولى المربحة بالثانية الخاسرة؟!
ثم قال الإمام عليه السلام في الأمر الثاني:
«إِنَّ الَّذِي أُمِرْتُمْ بِهِ أَوْسَعُ مِنَ الَّذِي نُهِيْتُمْ عَنْهُ وَمَا أُحِلَّ لَكُمْ أَكْثَرُ مِمَّا حُرّمَ عَلَيْكُمْ. فَذَرُوا مَا قَلَّ لِمَا كَثُرَ».
المراد من «ما أمرتم به» هنا الأمر في مقابل الحظر، يعني ما أجيز لكم بالنسبة إلى الذنوب
[١] سورة البقرة/ ٢٦١.
[٢] سورة التوبة/ ١١١.
[٣] سورة آل عمران/ ٧٧.