نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤١٩ - القسم الأول الالتصاق بمركز الدولة
ذلك إلّابالإسلام فقهم عزيزون ومقتدرون في ظل اجتماعهم واتفاقهم في ظل هذا الدين:
«وَالْعَرَبُ الْيَوْمَ وَإِنْ كَانُوا قَلِيلًا، فَهُمْ كَثِيرُونَ بِالْإِسْلَامِ، عَزِيزُونَ بِالاجْتَماعِ!».
فخلص من ذلك إلى نتيجة أصلية:
«فَكُنْ قُطْباً، وَاسْتَدِرِ الرَّحَى بِالْعَرَبِ، وَأَصْلِهِمْ [١]
دُونَكَ نَارَ الْحَرْبِ».
ثم ذكر دليل ذلك فقال عليه السلام:
«فَإِنَّكَ إِنْ شَخَصْتَ [٢] مِنْ هذِهِ الْأَرْضِ انْتَقَضَتْ عَلَيْكَ الْعَرَبُ
مِنْ أَطْرَافِهَا وَأَقْطَارِهَا، حَتَّى يَكُونَ مَا تَدَعُ وَرَاءَكَ مِنَ الْعَوْرَاتِ [٣] أَهَمَّ إِلَيْكَ مِمَّا بَيْنَ يَدَيْكَ»،
إشارة إلى أنّ الإسلام في بداياته لحدّ الآن، وما زال المنافقون وسليلوا عصر الجاهلية في صفوف العرب وهم يتربصون الفرصة لطعن المسلمين من الخلف، فلو انطلق القائد وصحبه الأوفياء إلى نقطة بعيدة يكون الميدان قد خلى للمفسدين والمنافقين، ولعلهم يسببون بعض الأخطار التي تفوق أخطار العدو الخارجي، أضف إلى لذلك فلو اصطدم الجيش بمشكلة في الجبهات، كان بإمكان القائد إن استقر في المركز أن يعبىء جيشاً جديداً ويبعث به إلى ميدان القتال، بينما ينهار سند الجيش إن حضر بنفسه الميدان.
والجدير بالذكر أنّ العرب في العبارة
«وَالْعَرَبُ الْيَوْمَ ...»
تختلف عن العرب في العبارة
«انْتَقَضَتْ عَلَيْكَ الْعَرَبُ ...»
فالمراد بالاولى المخلصون من المؤمنين، والثانية المنافقون الذين يظهرون الإيمان، أو المسلمون الضعاف.
[١] «اصل»: من مادة «صلي» على وزن سعي بمعنى دخول النار أو الاحتراق فيها، وإن استعملت في بابالأفعال عن القذف في النار، والعبارة إشارة إلى أنّ الجيش حين ينشغل بالحرب عليك بالابتعاد عنهم حتى لا يتمكن العدو من إصابتك.
[٢] «شخصت»: من مادة «شخوص» على وزن خلوص تعني في الأصل الخروج من المنزل أو المدينة، ولماكان الإنسان يظهر حين الخروج فقد أطلقت على قامة الإنسان والمرتفعات التي تلوح من بعيد، ويقال للمسافر شاخص حيث يبيّن حين دخوله المدينة، وتطلق هذه المفرادة على كل شيء مرتفع.
[٣] «عورات»: جمع «عورة» تعني في الأصل العيب والعار ولما كان إظهار الآلة الجنسية مدعاة للعيب والعارفقد اطلقت عليها العرب العورة، ولكن لهذه المفردة معنى أوسع وأشمل وهى النقطة التي يمكن اختراقها وما يخشاه الإنسان ويقلق منه، وحيث كانت حدود كل بلد من المناطق التي يمكن إلحاق الصدر بها والمقلقة فقد استعملت بهذا المجال، إلّاأنّها لا تعني الحدود خلافاً لما أورده أغلب شرّاح نهج البلاغة، والمراد بها النقاط المضطربة داخل البلد الإسلامي والتي يمكن هجوم المنافقين عليها، والشاهد على ذلك العبارة ما تدع وراءك، لأنّ الجيش حين يتحرك نحو عدو خارجي لا يبقى خلفه سوى الجبهة الداخلية للبلاد.