نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤١٨ - القسم الأول الالتصاق بمركز الدولة
والعبارة هذه تذكّر بنصر المسلمين في بدر والأحزاب وأمثالهما.
ولعل الفارق بين العبارتين بلغ ما بلغ وطلع حيث طلع أنّ العبارة الثانية تخبر عن انتشار الإسلام والأولى عن منتهى منطقة نفوذ الإسلام، كما يحتمل أن تكون العبارة الاولى إشارة إلى المناطق التي نفذ إليها الإسلام، والعبارة الثانية إلى المناطق التي ذاع فيها صيت الإسلام وشع عليها بما يمهد السبيل أمامه وإن لم ينفذ إليها بعد، أو أنّ العبارة الاولى إشارة إلى قوّة الإسلام وقدرته، والثانية إلى سعة الإسلام وانتشاره.
ثم قال عليه السلام مؤكداً ذلك الكلام:
«وَنَحْنُ عَلَى مَوْعُودٍ مِنَ اللَّهِ، وَاللَّهُ مُنْجِزٌ وَعْدَهُ، وَنَاصِرٌ جُنْدَهُ»
، إشارة إلى الآية الشريفة: «هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ» [١]. والآية: «إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ» [٢].
نعم، فقد وعدنا في ظل الإيمان بالنصر في الدنيا والآخرة وتشهد سائر الآيات القرآنية على هذا المعنى، وما إن فرغ الإمام عليه السلام من بيان هذه المقدمة بهدف الاستقرار الروحي للخليفة والحاضرين حتى تطرق إلى الموضوع الأصلي للمشورة في حضور عمر بنفسه في المعركة فقال:
«وَمَكَانُ الْقَيِّمِ بِالْأَمْرِ مَكَانُ النِّظَامِ [٣] مِنَ الْخَرَزِ [٤] يَجْمَعُهُ وَيَضُمُّهُ: فَإِنِ انْقَطَعَ النِّظَامُ
تَفَرَّقَ الْخَرَزُ وَذَهَبَ، ثُمَّ لَمْ يَجْتَمِعْ بِحَذَافِيرِهِ [٥] أَبَداً»،
يا له من تعبير رائع وتشبيه جميل فالقائد والزعيم لبلد بمنزلة خيط المسبحة أو القلادة بفضله رمز الوحدة وإنسجام والأمّة، كما تحمل الزعيم قضية في أن يتحلى بسعة الصدر ووسع الفكر بحيث يستطيع استقطاب كافة الأفراد وصهرهم في كتلة متحدة.
ثم خاض الإمام ثانية في رفع معنوياتهم على أنّ العرب اليوم هم الكثرة رغم قلّتهم وما
[١] سورة التوبة/ ٣٣.
[٢] سورة غافر/ ٥١.
[٣] وإن كان لهذه المفردة مفهوم كلي لكنّها تعني هنا السلك ينظم فيه الخرز.
[٤] «خرز»: بمعنى حبات السبحة وتكون نفيسة، كما تكون عادية ويصنع منها المسبحة وأصلها «الخرز» على وزن الفرض بمعنى ثقب الجلد أو شيء أخر.
[٥] «حذافير»: جمع «حذفور و حذفار» على وزن مضمار بمعنى جانب الشيء وناحيته وحذافير بمعنىجميع الجوانب.