نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤١٦ - نظرة إلى الخطبة
هجم على مدننا وإنّه لن يتركنا ما لم نخرجه، فلمّا بلغ عمر الخبر فقدم إلى المسجد وأطلع الصحابة بالخبر، فقال كل رأيه، فأشار علي عليه السلام (كما ورد في هذه الخطبة) بما فيه صلاح الإسلام والمسلمين، قال الشيخ المفيد: انظر كيف بيّن الإمام عليه السلام رأيه الصائب في تلك الظروف الحساسة وأنقذ المسلمين [١]، على كل حال فانّ هذه الخطبة تعالج بمجموعها موضوعاً واحداً، وهو أنّ حضور رئيس الدولة في الحرب في بعض الظروف أمر خطير جدّاً من شأنه أن يؤدّي إلى مشكلتين، أحدهما إتحاد أفراد العدو فيما بينهم وبذل قصارى جهدهم من أجل قتله، فيضطرب الجيش ويختل نظمه، والأخرى على فرض عدم حدوث مثل هذا الخطر فلعل إخلاء الجبهة الداخلية يشجع العدو على الهجوم على المراكز الأصلية للبلاد من كافة الجهات فتنجم من جراء ذلك الأخطار الشديدة التي تهدد كيان الإسلام والمسلمين، وتشير هذه الخطبة بوضوح إلى أنّ علياً عليه السلام أنّه كان يقف حتى إلى جانب أعدائه إذا اقتضت ذلك مصالح الإسلام والمسلمين حرصاً على الدين وكيانه.
طبعاً هذا الكلام لا يعني أنّ رئيس الدولة لا ينبغي أن يشخص بنفسه قط في ميدان القتال فقد شخص أمير المؤمنين علي عليه السلام بنفسه في معارك الجمل وصفين والنهروان، وأعظم من ذلك حضور النبي الأكرم صلى الله عليه و آله في الغزوات، فالشرائط متفاوتة تماماً بحيث كانت تتطلب عدم حضور الخليفة الثاني في الميدان.
والجدير بالذكر أنّ المعارك قد تقع أحياناً بالقرب من البلاد الإسلامية وفي المناطق القريبة منه فانّ حضور المعركة من قبل رئيس الدولة لا يترتب عليه أية مخاطر في مثل هذه الظروف، في حين تبرز مثل هذه المخاطر في المناطق البعيدة وتجاه عدو قوي يمتلك جيشاً كبيراً، وقد تحدثنا في مثل هذا الأمر في شرحنا للخطبة ١٣٤.
[١] إرشاد المفيد، ص ١٢٠ بتصرف.