نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٦٥ - القسم الأول لستم من الأصحاب الأخيار
القسم الأول: لستم من الأصحاب الأخيار
«أَيَّتُهَا النُّفُوسُ الُمخْتَلِفَةُ، وَالْقُلُوبُ الْمُتَشَتِّتَةُ، الشَّاهِدَةُ أَبْدَانُهُمْ، وَالْغَائِبَةُ عَنْهُمْ عُقُولُهُمْ، أَظْأَرُكُمْ عَلَى الْحَقِّ وَأَنْتُمْ تَنْفِرُونَ عَنْهُ نُفُورَ الْمِعْزَى مِنْ وَعْوَعَةِ الْأَسَدِ! هَيْهَاتَ أَنْ أَطْلَعَ بِكُمْ سَرَارَ الْعَدْلِ، أَوْ أُقِيمَ اعْوِجَاجَ الْحَقِّ»».
الشرح والتفسير
من الحوادث الأليمة في التاريخ الإسلامي أن يبتلى إمام عالم وكفوء مقتدر كعلي عليه السلام بناس جهّال وعبدة للأهواء يعيشون النتاحر والفرقة، فقد كانوا وسائل سيئة لإقامة حكومة الحق والعدل، وقد رأينا منذ بداية الكتاب لحدّ الآن في مختلف خطب نهج البلاغة أنّ الإمام علي عليه السلام كان يتألم بشدّة من هذا الأمر وكان دائم الشكوى، باحثاً عن مختلف الأساليب لعلاج أمراضهم النفسية والأخلاقية، فقد قال عليه السلام مستهلًا هذه الخطبة:
«أَيَّتُهَا النُّفُوسُ الُمخْتَلِفَةُ، وَالْقُلُوبُ الْمُتَشَتِّتَةُ، الشَّاهِدَةُ أَبْدَانُهُمْ، وَالْغَائِبَةُ عَنْهُمْ عُقُولُهُمْ».
فقد ركز الإمام عليه السلام هنا على الجذور الأصلية لداء المجتمعات والامم، ألا وهو الاختلاف والتشتت والذي يؤدّي إلى النزاعات وهدر الطاقات، والعبارة:
«الشَّاهِدَةُ أَبْدَانُهُم ...»
إشارة إلى حضورهم الجسماني في المجتمع وغيابهم الفكري والروحي عن الحوادث الخطيرة التي تصيب المجتمع، أمّا أهمية هذا الموضوع فقد دفعت بالإمام إلى ذكر مثل هذه العبارات مع اختلاف طفيف في الخطب الأخرى، كالذي ورد في الخطبة ٢٩ و ٩٧ حيث قال في الأولى:
«أَيُّهَا النَّاس، الُمجْتَمِعَةُ أَبْدَانُهُمْ، والُمخْتَلِفَةُ أَهْوَاؤُهُمْ».