نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٦٦ - القسم الأول لستم من الأصحاب الأخيار
وقال في الثانية:
«أَيُّهَا الْقَوْمُ الشَّاهِدَةُ أَبْدَانُهُمْ، الْغَائِبَةُ عَنْهُمْ عُقُولُهُمْ، الُمخْتَلِفَةُ أَهْوَاؤُهُمْ».
ثم قال عليه السلام:
«أَظْأَرُكُمْ [١] عَلَى الْحَقِّ وَأَنْتُمْ تَنْفِرُونَ عَنْهُ نُفُورَ الْمِعْزَى [٢] مِنْ وَعْوَعَةِ [٣]
الْأَسَدِ!»
، العبارة «أظأركم» بالنظر إلى أنّ «ظأر» جاءت في اللغة بمعنى القابلة، فهى تشير إلى مراده أنّي كالقابلة الشفيقة قد رويتكم على الدوام من عين الحق الجياشة، لكنّكم كنتم تفرون من ذلك دائماً، تفرون فراركم من الأسد، وهذه أسوأ حالة يمكن أن تعرض لإنسان فينفر من الحق ويهرب منه بالشكل الذي يفوق التصور، والعبارة
«وَعْوَعَةِ الْأَسَدِ!»
، تعبير رائع فلم يقل «من الأسد» بل قال
«وَعْوَعَةِ الْأَسَدِ!»
يعني إنّ هذا الحيوان على درجة من الجبن بحيث لا ينظر إلى أطرافه ليرى هل هو أسد أم لا، بل يهرب لمجرّد سماعه الصوت، وهذا هو حال بعض الحيوانات التي تهرب إذا سمعت زئير الأسد مهما كانت المسافة بعيدة في الصحراء.
ثم قال عليه السلام:
«هَيْهَاتَ أَنْ أَطْلَعَ [٤] بِكُمْ سَرَارَ [٥] الْعَدْلِ، أَوْ أُقِيمَ اعْوِجَاجَ الْحَقِّ».
قطعاً ليس للحق من إعوجاج ليراد قيامه، والمراد يخلطونه بالباطل وقد سعى أئمة الهدى عليهم السلام لتخليص الحق من شوائب الباطل، كما ليس في العدل من ظلمة ليجلوها عنه، فالظلم الذي غالباً ما يخالط العدل ويلبسه على حال لا شك أنّ إزالة الظلمة عن العدالة وتمييز الباطل عن الحق، يتطلب أعواناً وأنصاراً من أهل الوعي والتضحية، ولم يكن للجهال والغدرة المشتتين كأهل الكوفة من قدرة للإستعانة بهم في إزالة الظلمات وتسوية الاعوجاجات، وهذا داء دوي عرض لإمام عادل وشجاع كعلي بن أبي طالب عليه السلام.
[١] «أظأر»: من مادة «ظأر» على وزن ضرب تعني في الأصل المراقبة والمواظبة على الشيء ولما كان عملالقابلة الإرضاع ومراقبة الطفل فقد استعملت هذه المفردة لها.
[٢] «المعزى»: بمعنى السخلة في مقابل الضأن بمعنى الخروف.
[٣] «وعوعة»: بمعنى الضراخ والضجة والزئير، وتطلق على الأموات المتداخلة.
[٤] «اطلع»: لها معنى اللازم وهو الطلوع والظهور وكذلك معنى المتعدي، وهنا بالنظر لسرار مفعولها فقد وردت متعدية، والباء في بكم للاستعانة أو السبب.
[٥] «سرار»: من مادة «سر» تعني في الأصل آخر ليلة من الشهر «ليلة المحاق التام) ويراد بها شدّة الظلمة.