نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٥٨ - القسم اول شكر القدرة
ثم أضاف عليه السلام:
«فَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُ مِثْلَهُ».
فان وهبه القوّة والصلابة فقد وجب عليه الشكر، والمراد أنّ أفعال اللَّه وإن استندت إلى الحكمة جميعاً، مع ذلك فمن تمتع بنعم كثيرة وجب عليه الشكر بافاضتها على الآخرين ليؤدّي بذلك الشكر العملي للنعمة.
والثانية: لو لم يكن هناك من تنسيق بين العسكر فانّ ذلك يؤدّي إلى إحباط الجميع، وذلك لأنّ العدو إنّما يهجم على الجانب الذي يشعر بضعفه، فانّ اخترقه وقضى عليه، إلتفّ ليحاصر باقي العسكر، وعليه وإضافة لمسألة الشكر فانّ فنون القتال وسياسة المعركة تتطلب من الأجنحة القوية من العسكر شد ظهور الأجنحة الضعيفة وعدم التواني في الدفاع عنها، بحيث لا تسدد إليها ضربات العدو، ولا سيّما إذا استطاع العدو أن يشلّ حركة طائفة من الجيش، فانّه سيتمكن من تحطيم معنويات الجميع.
ثم إتجه الإمام عليه السلام صوب نقطة مهمّة أخرى وهى ضرورة ألا يتصور أحد أنّه يستطيع الفرار من مخالف الموت، فهو يدرك المقيم والمنتظر والهارب:
«إِنَّ الْمَوْتَ طَالِبٌ حَثِيثٌ لَايَفُوتُهُ الْمُقِيمُ، وَلَا يُعْجِزُهُ الْهَارِبُ».
وهنا يطرح هذا السؤال نفسه: الموت على نوعين: موت حتمي، وموت معلّق أو مشروط، والذي لا يمكن تغييره هو الموت الحتمي، أمّا الموت المشروط، فهو قابل للتغيير على ضوء تغير الظروف والشرائط، ولعل الموت في ساحة القتال ليس من الموت الحتمي فكيف إستدل الإمام عليه السلام بهذه المسألة وقال بشأن الموت لا يفوته المقيم ولا يعجزه الهارب.
ويمكن الإجابة عن هذا السؤال بوجهين:
الأول: هو أنّ الإمام عليه السلام ناظر للموت الحتمي فقط سواء في ساحة القتال أو غير ساحة القتال فلا يمكن إجتنابه.
والثاني: على فرض أنّ الإنسان يستطيع الهروب من مخالب الموت المشروط أو المعلّق، ولكن ما جدوى ذلك؟ فالموت الحتمي بالتالي سيدرك جميع الأفراد دون استثناء، فلا ينبغي للإنسان أن يستسلم للظلمة في مقابل البقاء عدّة أيّام [١].
[١] مرّ علينا بالتفصيل بحث الموت الحتمي والمعلّق في المجلد الثالث من هذا الكتاب.