نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٠٧ - القسم الخامس أهمية القرآن و دور عبادة الدنيا فى الصراعات
تأخذ بيده إليه، فمن تمسك بالقرآن لن يضل أبداً، ومن رجاه لا يخيب، فالقرآن يعرّف نفسه:
«أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافاً كَثِيراً» [١].
ثم واصل الإمام عليه السلام كلامه كطبيب حاذق وحكيم ماهر فخاض في بيان معاناة مخاطبيه المعنوية وقد ذكرهم بنقطة مهمّة، كيف ولم عجزتم عن مواصلة سبيل الحق وعندكم هذا القرآن- وعليه لا يبدو صواباً ما أورده شرّاح نهج البلاغة من عدم إرتباط العبارات اللاحقة بالعبارات السابقة، فقال بادىء الأمر كأنّي بكم قد إتفقتم على الخيانة والحسد والحقد:
«قَدِ اصْطَلَحْتُمْ عَلَى الْغِلِ [٢] فِيَما بَيْنَكُمْ».
ثم قال:
«وَنَبَتَ الْمَرْعَى عَلَى دِمَنِكُمْ [٣]»،
إشارة إلى أن أعمالكم الخاطئة إنّما تفرزها أفكاركم الملوثة، وأضاف في بيانه لنقطة ضعفهم الرابعة والخامسة فقال:
«وَتَصَافَيْتُمْ عَلَى حُبِّ الْآمَالِ، وَتَعَادَيْتُمْ فِي كَسْبِ الْأَمْوَالِ»
، فنقطة اشتراككم تكمن في تعلقكم بالآمال والأماني الفارغة، ونقطة اختلافكم في كسب المال، حيث يريد كل منك أن يختطف المال الذي في يد غيره.
والواقع يمكن خلاصة نقاط ضعفهم في أربع كلمات هى الحقد والحسد والرياء وطول الأمل والنزاع من أجل كسب المال، والحق أنّ المجتمع لن يرى الأمن والاسقرار إن سادته هذه الرذائل، ولا يسوده سوى النزاع والقتال وأنواع التوتر، كما لا يعيش سوى الضعف والوهن تجاه العدو الخارجي، وإن طالعتنا بعض مظاهر الجمال في هذا المجتمع فهى بمثابة الزهور الجميلة التي تنبت في المزابل وجذورها عفنة، وكأنّ الإمام عليه السلام أراد أن يفهمهم هذه القضية وهى أنّ المبادىء التي سادت المجتمع الجاهلي قبل الإسلام والتي وردت الإشارة إليها في صدر هذه الخطبة قد إنتعشت اليوم مرّة أخرى في وسطكم، ثم أشار الإمام عليه السلام في آخر الخطبة إلى أحد الأركان المهمة لانحرافهم والذي يتمثل بوساوس الشياطين والتي جعلتهم يضلون سبيل
[١] سورة النساء/ ٨٢.
[٢] «غل»: من مادة «غلول» أو غلل على وزن أفول وأجل تعني في الأصل النفوذ التدريجي والخفي للماء فيجذور الأشجار، ثم اطلق الغل الذي له معنى (الاسم المصدري) على الخيانة لأنّها تحصل بصورة تدريجية وخفية.
[٣] «دمن»: جمع «دمنة» على وزن فتنة بمعنى السرقين، كما يطلق على الحقد القديم.