نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٤٦ - الإتحاد الظاهري والعداء الباطني
ثم قال عليه السلام:
«وَاللَّهِ لَئِنْ أَصَابُوا الَّذِي يُرِيدُونَ لَيَنْتَزِعَنَّ هذَا نَفْسَ هذَا، وَلَيَأْتِيَنَّ هذَا عَلَى هذَا»
، والطريف أنّ ما أورده الإمام عليه السلام في العبارة السابقة بشأن طلحة والزبير يصدق على جميع الأفراد الذين يتحدون من أجل نيل السلطة دون أن يكون لهم أي دافع إلهي، فهم متحدون ومتفقون مادامهم لم ينتصروا، فبمجرّد الانتصار يسعى كل واحد منهم للقضاء على الآخر والتفرد بالسلطة، وشواهد ذلك كثيرة على مرّ العصور وفي كل زمان ومكان، والحال لو كانت الدوافع إلهيّة لدام الإتحاد وربّما اقترح كل السلطة على غيره، وقد إتضحت حقيقة كلام الإمام عليه السلام بشأن طلحة والزبير حتى قبل شروع معركة الجمل وتنازعهما على الزعامة، وهذا ما سنتناوله إن شاء اللَّه في البحث القادم، ولما كانت هذه الخطبة قبل معركة الجمل فقد دعى الإمام الناس إلى الوقوف بوجه ناقضي العهد الذين حملوا رايات معركة الجمل فقال:
«قَدْ قَامَتِ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ، فَأَيْنَ الُمحْتَسِبُونَ [١]! فَقَدْ سُنَّتْ لَهُمُ السُّنَنُ، وَقُدِّمَ لَهُمُ الْخَبَرُ».
والعبارة الفئة الباغية إشارة إلى كل جماعة تقوم بوجه الحق وحكومة العدل، كما يصدق هذا الكلام على أصحاب الجمل، وعلى أعوان معاوية أيضاً، لأنّهم وقفوا جميعاً ضد الحق، ومن هنا جاء في الحديث النبي الأكرم صلى الله عليه و آله لعمّار الذي استشهد في صفين وقتله أعوان معاوية:
«يَا عَمّارُ تَقتُلُكَ الفِئَةُ البَاغِيةُ» [٢].
والمفردة «المحتسبون» إشارة إلى الأفراد الذين يجاهدون حسبة للَّهولا ينتظرون سوى ثوابه وأجره.
والعبارة
«فَقَدْ سُنَّتْ لَهُمُ السُّنَنُ ...»
، إشارة إلى أنّ سنن النبي الأكرم صلى الله عليه و آله قد عرضت السبل اللازمة للقيام ضد البغاة والعصاة.
العبارة:
«وَقُدِّمَ لَهُمُ الْخَبَرُ»
، إشارة إلى حديث النبي الأكرم صلى الله عليه و آله لصحبه:
«تُقاتِلُونَ النّاكِثِينَ والقَاسِطِينَ والمَارِقِينَ» [٣]
، بناءاً على هذا وبالنظر إلى اتضاح الضلال بالنسبة لتلك
[١] «المحتسب»: من مادة «حسبة» بمعنى الإتيان بالعمل حسبة للَّهوإرادة الثواب منه سبحانه، ووردت مفردة المحتسب بمعنى المأمور الذي يكلف من الحكومة للإشراف على إجراء أحكام الدين ولعل ذلك لأنّه يقوم بالعمل للَّه، أو أنّ هدفه حساب عمل الناس.
[٢] وردت هذه الرواية في أغلب مصادر العامّة ومنها مسند أحمد بن حنبل وصحيح مسلم وطبقات ابن سعد ومصادر أخرى (انظر إحقاق الحق ٨/ ٤٢٢).
[٣] تاريخ بغداد ١٣/ ١٨٧ طبع دار الفكر.