نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٦ - القسم الثاني صفات الزهّاد في الدنيا
نعم، فعيون قلوبهم باكية لما يرون في أنفسهم من نقائص وعيوب وما يبتدر منهم من زلّات أحياناً، وإن عاشوا حالة من السرور والضحك على مستوى الآداب الاجتماعية والأخلاقية، إنّهم يأسفون على ماضيهم ويغتمون لما كانت في أيديهم من فرص لم يستثمروها، رغم ما هم عليه ظاهرياً من الفرح والسرور، إلى جانب ذلك فانّ لسانهم يلهج بحمد اللَّه وشكره على ما حباهم به من نعم مادية ومعنوية من جهة، ومن جهة أخرى فهم لا ينفكون عن مقتهم لأنفسهم وتوبيخها لشعورهم بالتقصير في عدم استثمارها بالشكل الصحيح.
وخاصة القول فهم في مقام النقد لأنفسهم وإصلاح نقائصهم ومعايبهم المعنوية وهذا هوالسبب في حركتهم التكاملية نحو اللَّه سبحانه، فهم لا يقنعون بوضعهم السائد قط ليكون ذلك مدعاة لتخلفهم وإنحطاطهم.
ثم شرح في النقطة الثانية وضع مخاطبيه ليقارنوا أنفسهم بالزهّاد فيقفوا على عيوبهم، وقد بيّن لهم ثلاث صفات:
«قَدْ غَابَ عَنْ قُلُوبِكُمْ ذِكْرُ الْآجَالِ، وَحَضَرَتْكُمْ كَوَاذِبُ الآمَالِ، فَصَارَتِ الدُّنْيَا أَمْلَكَ بِكُمْ مِنَ الآخِرَةِ، وَالعَاجِلَةُ أَذْهَبَ بِكُمْ مِنَ الآجِلَةِ».
نعم، فالدنيا تستولي على عقل الإنسان وفكره وينسى الآخرة إذا ما غاب عن قلبه ذكر الموت وإنهمك في هذه الدنيا العابرة واحاطة القلب بالأماني الخيالية الكاذبة.
ثم إختتم عليه السلام هذا المقطع من الخطبة ببيان هذه النتيجة:
«وَإِنَّمَا أَنْتُمْ إِخْوَانٌ عَلَى دِينِ اللَّهِ مَا فَرَّقَ بَيْنَكُمْ إِلَّا خُبْثُ السَّرَائِرِ، وَسُوءُ الضَّمَائِرِ. فَلَا تَوَازَرُونَ [١] وَلَا تَنَاصَحُونَ، وَلَا
تَبَاذَلُونَ وَلَا تَوَادُّونَ».
فالعبارة تشير إلى توفر سبل الوحدة بينكم من خلال الإخاء الإسلامي وقد تصدعت هذه السبل بفعل الاختلافات التي تستند إلى التعصب والحقد والحسد وحبّ الدنيا وضيق الافق، فأدّى ذلك بالتبع إلى ضعف الأمن الداخلي والعجز أمام العدو الخارجي وبالنتيجة قطعت عنكم البركات الاجتماعية كالتعاون والموازرة وإسداء الخدمات المتبادلة أواصر المحبّة والصداقة.
[١] «لا توازرون»: من مادة «موازرة» بمعنى التعاون والمساعدة.