نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٦٩ - القسم الأول سبع وصايا فى فنون القتال
يكون هو المعني فيعطيه رسول اللَّه صلى الله عليه و آله الراية، نادى رسول اللَّه صلى الله عليه و آله علياً عليه السلام وسلّمه الراية فلم يرجع إلّابعد أن فتح خيبر واستسلم له أهلها، هذه دلالة على الأهميّة الفائقة للراية وحاملها في ذلك الزمان، وقد تكرر نفس هذا المعنى في عصر علي صلى الله عليه و آله مالك الأشتر النخعي وقال له علمت بوقوفك في القتال وشجاعتك ولولا ذلك لدفعت الراية إلى غيرك، فردّ عليه بالقول:
«لأسرنّك اليوم يا مالك أو اقتل شهيداً» [١].
ثم أشار الإمام عليه السلام في وصيّته السابعة والأخيرة إلى قضية أخرى من تكتيكات الحرب أنذاك فقال:
«أَجْزَأَ امْرُؤٌ قِرْنَهُ [٢]، وَآسَى [٣] أَخَاهُ بِنَفْسِهِ، وَلَمْ يَكِلْ قِرْنَهُ إِلَى أَخِيهِ، فَيَجْتَمِعَ
عَلَيْهِ قِرْنُهُ وَقِرْنُ أَخِيهِ».
يتضح المفهوم الدقيق لهذا الكلام فيما لو دققنا بصورة صحيحة على وضع الحروب في ذلك الزمان، فقد كانت للمعركة في ذلك الوقت ثالث صور (وأحياناً كانت تتحقق الصور الثلاث في نفس المعركة):
الأولى: أن يتقدم أحد الشجعان وسط الميدان ويدعو شجاعاً آخر من العدو لمبارزته، فيتبارزان حتى يهلك أحدهما.
الثانية: أن يتقدم الميدان عدّة أفراد ليقف كل واحد منهم أمام خصمه فيبدأ بينهم القتال.
الثالثة: أن تدور المعركة بين المعسكرين بأكملهما طبعاً هناك صورة رابعة تكون المعركة فيها غادرة كأن تنهال طائفة على فرد فتنزل عليه ضرباتها من كل جانب، ويبدو أنّ العبارة تشير إلى هذه الصورة الثانية التي يبرز فيها عدّة أفراد إلى أمثالهم، وفي هذه الحالة لا ينبغي لأحد أن يترك خصمه لآخر، بل يبارز كل واحد خصمه فيراعي المساواة والمواساة وتقف من خلال هذه الوصايا على مدى خبرة الإمام عليه السلام بفنون القتال حيث يعرّف أصحابه على أدق تفاصيل القتال قبل البدء فيه.
[١] شرح نهج البلاغة للعلّامة التستري ١٣/ ٥٥٨.
[٢] «قرن»: الكفؤ وعدل الإنسان في الشجاعة في ميدان القتال ويطلق أحياناً القرن على كل كفو، وقد اشتق فيالأصل من قرن بفتح القاف والاقتران الذي يعني الاقتراب بين شيئين أو عدة أشياء، ومن هنا يقال للزمان الطويل قرن حيث تكون فيه طائفة من الأجيال مع بعضها.
[٣] «آسى»: من مادة «وسى» على وزن مشى بمعنى عاون والمواساة تعني المعاضدة ومساعدة كل واحد الآخر.