نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٣٩ - علم الغيب في الآيات والروايات
ونرى نفس هذا التفاوت في الروايات، فمثلًا جاء في الحديث أنّ الإمام الصادق عليه السلام ورد مجلساً غاضباً وكان فيه أبو بصير وبعض أصحابه، فلما جلس قال:
«يَا عَجَباً لأقوامٍ يَزْعَمُونَ أَنَّا نَعلَمُ الغَيبَ مَا يَعْلَمُ الغَيبَ إِلّا اللَّهُ عزَّ وَجَلَّ» [١].
بينما يستفاد من عدّة روايات علم الأئمّة المعصومين عليهم السلام بأغلب الأمور الخفية كالذي ورد في هذه الخطبة بشأن فتنة صاحب الزنج والمغول، أو سائر خطب نهج البلاغة بخصوص الأمور المستقبلية، وممّا لا شك فيه أنّه ليس هناك من تضارب بين الآيات المذكورة وأمثالها ولا بين الروايات السابقة (والروايات الأخرى التي وردت بهذا المضمون) وقد ذكر المحققون عدّة آراء من أجل الجمع بين هذه الآيات والروايات، منها:
١- المراد بعلم الغيب الذي اختصته الآيات والروايات باللَّه تبارك وتعالى هو العلم الذاتي، وما يعلمه الأنبياء والأولياء هو العلم التعليمي من جانب اللَّه سبحانه (وهو ما ورد في كلام الإمام عليه السلام في هذه الخطبة).
٢- أسرار الغيب على قسمين: قسم يختص باللَّه تعالى ولا يعلمه أحد إلّاهو كزمان الساعة والأمور الأخرى التي وردت في الآية ٢٤ من سورة لقمان، وقد أشارت الخطبة إلى هذا الوجه في الجمع وقد تقدم شرح ذلك.
٣- علم اللَّه سبحانه بأسرار الغيب بالفعل يعني يعلم كل شيء في كل زمان، أمّا علم أولياء اللَّه سبحانه، فليس بفعلي بل حيني، أي إن أرادوا أن يعلموا شيئاً وتتحقق هذه الإرادة باذن اللَّه تعالى ورضاه، ومن هنا نقرأ في سورة يوسف أنّ يعقوب لم يكن يعلم مصير ولده في صحراء كنعان، والحال علم بعد سنوات بمصيره في مصر، فقد وجد ريح يوسف من مصر بينما لم يجده في بئر كنعانه، فلم يكن مأذوناً في المورد الأول لأن يريد فيعلم، بينما أذن له في المورد الثاني.
٤- الطريق الآخر للجمع بين الآيات والروايات المختلفة في أنّ أسرار الغيب مثبتة في موضعين، اللوح المحفوظ والذي لا يحدث فيه أدنى تغيير ولا يعلمه إلّاتعالى، واللوح المحو والإثبات وهو في الواقع علم بالمقتضيات لا علم بالعلة التامة، ومن هنا فهو قابل للتغيير، وما
[١] اصول الكافي ١/ ٢٥٧، ح ٣ من باب «نادر فيه ذكر الغيب».