نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢١٤ - ١- الحذر من الإفراط والتفريط
الإسلامي، والواقع قد مهدوا بهذا الشعار أسباب الفرقة، والقتال وسفك الدماء والفساد في الأرض، ومن هنا فقد حكم بالإعدام على حملة هذا الشعار.
كما وردت عدّة تفاسير للعبارة:
«لَوْ كَانَ تَحْتَ عِمَامَتِي هذِهِ»،
أنسبها ما ذكرناه سابقاً، وهو وإن اعتصم هؤلاء الأفراد الفاسدين بي ولاذوا بداري وكانوا تحت ثيابي.
تأمّلات
١- الحذر من الإفراط والتفريط
من بين المسائل التي أكد عليها الإمام عليه السلام في هذه الخطبة ضلالة وهلاك الفئة المفرطة والمفرطة، وقد ظهرت هاتان الفئتان بصورة جلية بشأن الإمام عليه السلام في أوساط المجتمع الإسلامي، الفئة التي تصوّرت الإمام عليه السلام هو اللَّه والتي عاشت على عهده عليه السلام وقد تلقّت أشد العقاب من الإمام عليه السلام، والفئة الأخرى التي تراه- نعوذ باللَّه- كافراً، وقد عوقبت هذه الفئة أشدّ العقاب أيضاً، فالإفراط والتفريط مذموم في كل شيء ومصدر البؤس والشقاء، ولا يقتصر ذلك على القضايا العقائدية، بل يتجاوزه ليشمل الحياة المتواضعة، وعادة ما يستند هذا الإفراط والتفريط إلى الجهل والعصبية، فهناك طائفة انحرفت عن الإسلام وشذت عن إتباع منهج أهل البيت عليهم السلام، فهبطت باللَّه إلى منزلة متسافلة لتراه كالجسمانيات فصوّرته كفتى أمرد وشعر مجعد وما إلى ذلك من صفات الأجسام، بينما رفعته فئة أخرى عن فكر البشر، لتقول باستحالة معرفة ذاته لدينا، وأبعد من ذلك بأننا لا نعلم شيئاً من صفاته، وبعبارة أخرى قال بتعطيل معرفة اللَّه، فئة سلكت طريق الإفراط فقالت: بالتفويض، وأخرى سلكت سبيل التفريط فقالت: بالجبر، أمّا أئمّة الهدى عليهم السلام فقد وصفوا أنفسهم بأنّهم «النمرقة الوسطى» أي الفئة المعتدلة البعيدة عن الإفراط والتفريط، والتي ينبغي أن يعود إليها المتطرفون ويلحق به المغالون:
«نَحنُ النُّمرَقَةُ الوُسطى بِها يَلْحَقُ التّالِي وَإلَيها يِرْجَعُ الغالِي» [١].
[١] نهج البلاغة، الكلمات القصار، ١٠٩.