نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٥٥ - ١- من هو أبو ذر رحمه الله
ثم قال في الرابعة والخامسة:
«لَا يُؤْنِسَنَّكَ إِلَّا الْحَقُّ، وَلَا يُوحِشَنَّكَ إِلَّا الْبَاطِلُ».
فليكن أنسك في الحق ولا تخشى شيئاً مادمت في هذا السبيل، ولتكن وحشتك من الباطل وإنّك لسعيد مادمت هارباً من الباطل، فلا ضير عليك إنّك قمت للَّهوأمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر في اللَّه، فلو قبلت دنياهم وعاونتهم في نيل أطماعهم المادية لأحبّوك، ولو أخذت من ذلك شيئاً وهادنتهم لأمنوك، ولذا قال في السادسة:
«فَلَوْ قَبِلْتَ دُنْيَاهُمْ لَأَحَبُّوكَ، وَلَوْ قَرَضْتَ [١] مِنْهَا لَأَمَّنُوكَ»
، فهم تجار ظلمة ذائبون في الدنيا وأهل معاملة فيها، فمن وافق على مظالمهم وهادنهم بقبول سهم من أموالهم، أحبّوه وقدّسوه ودافعوا عن ماله وعرضه.
فعبارته عليه السلام مواساة لأبي ذر من جانب وصاعقة شديدة على الحكام الظلمة من جانب آخر، فالحق أن نفي «أبوذر» ذلك العبد الصالح والزاهد الورع كان نموذجاً للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كان وصمة عار في جبين الحكام الظلمة وأعوانهم، فقد كانوا يعلمون أنّ لسان ذلك الصحابي الجليل يعدل مئة ألف سيف.
تأمّلات
١- من هو أبو ذر رحمه الله
تعتبر حياة أبي ذر مليئة بالأحداث مقارنة بحياة سائر صحابة النبي الأكرم صلى الله عليه و آله والتي يمكنها أن تكون أسوة لكافة المجاهدين في سبيل الحق طيلة التاريخ البشري، ولا غرو فحياته إقتباس من حياة مولاه رسول اللَّه صلى الله عليه و آله وعلي عليه السلام مع فارق بسيط هو أنّه خضع لظروف صعبة جدّاً، لكنّه لم يتوان قط في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الوقوف بوجه الظلمة والفساد، وإليك جانب من سيرته:
اسمه جندب وأبوه جنادة [٢] وأسماه رسول اللَّه عبداللَّه، ينسب إلى طائفة معروفة من طوائف
[١] «قرضت»: من مادة «قرض» تعني في الأصل قطع الشيء ومن هنا يقال المقراض للمقص، كما يقالالقرض لما يعطى من مال، ووردت في العبارة المذكورة بمعنى قطعت منها جزءاً من المال لنفسك، ومهادنة الظالمين.
[٢] روت أغلب المصادر «جندب وجنادة» بضم الجيم، وكنيته أبو ذر، حيث كان له ولد بهذا الاسم.