نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٠٦ - القسم الخامس أهمية القرآن و دور عبادة الدنيا فى الصراعات
أخرى قد ركّزت على المصداق التام للحكمة، والجدير بالذكر أنّ الأوصاف التي بيّنتها للقرآن تشبه الأوصاف التي بيّنتها العبارات المذكورة للحكمة، على كل حال فقد قال كتاب اللَّه الذي تبصرون به الحقائق وتتحدثون به، وتسمعون به ينطق بعضه البعض الآخر (وتفسر فيه المتشابهات على ضوء المحكمات) ويشهد بضعه على البعض الآخر (ويؤيد بعضه الآخر) ولا يختلف ما يقوله في اللَّه، ومن يصحبه لا يخلاف اللَّه: «كِتَابُ اللَّهِ تُبْصِرُونَ بِهِ، وَتَنْطِقُونَ بِهِ، وَتَسْمَعُونَ بِهِ، وَيَنْطِقُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، وَيَشْهَدُ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ، وَلَا يَخْتَلِفُ فِي اللَّهِ».
والأوصاف السبعة التي بيّنها الإمام عليه السلام بشأن القرآن تشبه من جهات الأوصاف الخمسة التي بيّنها بصورة كلية بخصوص الحكمة.
والجدير بالذكر أنّ الحكمة اقترنت بالكتاب في غلب الآيات القرآنية [١] والذي يدلّ على العلاقة الوثيقة بينهما وأنّ رسل اللَّه سبحانه كانوا يمضون قدماً في ظلّهما (الكتاب والحكمة).
من جانب آخر فانّ الأوصاف التي تضمنتها العبارة بشأن القرآن الكريم في أنّه أساس البصر والسمع والنطق، وقد وردت الإشارة إليها في بعض الآيات القرآنية ومن ذلك الآية:
«قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ ...» [٢].
وممّا لا شك فيه أنّ الآيات الإلهيّة ودلائل الحق قد وردت بكثرة في القرآن الكريم بحيث يسع الإنسان بواسطتها رؤية جمال الحق ويسمع نداء اللَّه تبارك وتعالى، وهناك فارق واضح بين العبارة:
«يَنْطِقُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ»
والعبارة:
«يَشْهَدُ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ»
، لأنّ الحديث في العبارة الأولى عن آيات القرآن التي يفسر بعضها البعض، وتتضح المتشابهات في ظل المحكمات، وأمّا العبارة الثانية فتتحدث عن إنسجام آيات القرآن وكلّ منها يعاضد الأخرى وتشهد على صدقها، وبالعبارة:
«وَلَا يَخْتَلِفُ فِي اللَّهِ»
، إشارة إلى عدم اختلاف القرآن الكريم في بيان صفات الجمال والجلال والتي تعدّ من أهم مباحث القرآن الكريم، ويتحدث بجميع أياته عن تلك الذات المقدّسة الجامعة لكافة الكمالات اللامتناهية، والعبارة:
«وَلَا يُخَالِفُ بِصَاحِبِهِ عَنِ اللَّهِ».
إشارة إلى أنّ أي من آيات القرآن لا تبعد الإنسان عن مسار الحق، بل
[١] سورة البقرة/ ١٢٩، ١٥١؛ وآل عمران/ ٤٨، ٨١ و ...
[٢] سورة الانعام/ ١٠٤.