نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٧٤ - القسم الرابع الحرص على الدنيا
والتكالب على الدنيا والجنوح نحو الشره الذي يصد الإنسان عن العلم والمعرفة والأمور المعنوية.
ثم خلص الإمام عليه السلام إلى هذه النتيجة:
«فَبَادِرُوا الْعَمَلَ، وَخَافُوا بَغْتَةَ [١] الْأَجَلِ، فَإِنَّهُ لَا
يُرْجَى مِنْ رَجْعَةِ الْعُمُرِ مَا يُرْجَى مِنْ رَجْعَةِ الرِّزْقِ. مَا فَاتَ الْيَوْمَ مِنَ الرّزْقِ رُجِيَ غَداً زِيَادَتُهُ. وَمَا فَاتَ أَمْسِ مِنَ الْعُمُرِ لَمْ يُرْجَ اليَوْمَ رَجْعَتُهُ»
، نعم،
«الرَّجاءُ مَعَ الجَائِي وَاليأسُ مَعَ المَاضِي».
حقاً إنّه منطق بليغ واضح في عدم إمكانية عودة ساعات العمر بأي شكل من الأشكال، في حين يمكن استعادة متع الدنيا وفي كل الظروف وتداركها، بناءاً على هذا فالذي يقوله العقل لابدّ من الحزم والحساسية تجاه الأمور التي يمكن عودتها، لا الأمور التي إن فقدت اليوم أمكن الحصول عليها بالغد، والحال أنّ أغلب الناس يتصرفون على العكس من هذا الأمر، فأصواتهم ترتفع بالصراخ إلى عنان السماء لمجرّد فقدانهم لشيء من حطام الدنيا، بينما لا يأبهون لتصرم الأيام والأسابيع والأشهر والسنوات، وهذا يدعو إلى الدهشة والعجب، وهذا ما دفع بالإمام عليه السلام للتأكيد على هذا المطلب وشبهه في هذه الخطبة وسائر الخطب.
ورد في الخبر أنّ شخصاً أتى إلى الإمام السجاد عليه السلام وقد شكى إليه وضعه وكأنّه كان يعاني من قلّة الرزق فرد عليه الإمام عليه السلام أنّ بني آدم عليه السلام مساكين يشهدون ثلاث مصائب كل يوم ولا يعتبرون بها ولو اعتبروا بها لهانت عليهم المصائب، المصيبة الأولى: كل يوم يمر عليهم يذهب من عمرهم (لكنهم لا يأسفون على ذلك) لكنهم يحزنون إن قلّ مالهم، والحال هناك خلف للدنيار والدرهم بينما ليس للعمر من عودة قط، المصيبة الثانية: هو أنّ الإنسان يرتزق كل يوم فان كان رزقه حلالًا كان فيه حساب وإن كان من الحرام فيه عقاب، المصيبة الثالثة وهى أعظمها جميعاً:
«مَا مِنْ يَومٍ يُمسِي إلّاوَقَدْ دَنا مِنَ الآخرَةِ مَرحَلَةً لايَدرِي عَلَى الجَنَّة أم عَلى النَّارِ» [٢].
وفي ختام الخطبة نصح الناس من خلال الوعظ بالآيات القرآنية فقال: «فاتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ».
[١] «بغتة»: من مادة «بغت» على وزن وقت يعني الشيء الذي يحدث فجأة.
[٢] بحار الانوار ٧٥/ ١٦.