نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٣٠ - المواعظ القيمة
فالواقع هو أنّ الإمام عليه السلام أراد بهذه العبارة مزج الأدلة العقلية بالنقلية وتعبئة الجميع من أجل متابعة سبيل الحق، وقد قال الإمام عليه السلام هنا ثلاثة أنواع لعقل هى: العقل الحاضر والبعيد والغائب، يمكن أن يكون الأول إشارة إلى المسائل العقلية الواضحة، والثاني إلى المطالب النظرية التي يبلغها الإنسان من خلال الطرق الاستدلالية الواضحة، و الأخير إشارة إلى المواضع المعقدة التي يتعذر التوصل إليها من خلال الدليل والبرهان، فمن البديهي أن يتعذر إدراك المطالب النظرية والمعقدة والبعيدة عن الفكر على من لا يستفيد من المسائل الفكرية البسيطة.
ففي المسائل النظرية تتضح تماماً معرفة اللَّه يوم القيامة (بالمبدأ والمعاد)، وذلك لأنّ آياته قد ملأت جميع العالم، والقيامة التي تمثل محكمته العادلة ثابتة بحكم العقل، وفي المسائل العلمية فانّ حسن العدل وقبح الظلم ومدح الصدق والوفاء والعفة والورع والتقوى مسلم للجميع، ولكن قد يحول التعصب الأعمى وأهواء الإنسان دون الوقوف على هذه الأمور الواضحة، فأنى لمثل هذا الفرد أن يبدي رأيه في المسائل النظرية والمعقدة ويبلغ الهدف المطلوب.
ثم خاطب الإمام عليه السلام الناس في المواعظة الرابعة بصفته منذر عالم فقال:
«وَاتَّقُوا ناراً حَرُّهَا شَدِيدٌ، وَقَعْرُهَا بَعِيدٌ، وَحِلْيَتُهَا حَدِيدٌ، وَشَرَابُهَا صَدِيدٌ [١]».
والعبارات البليغة التي أوردها الإمام عليه السلام بشأن نار جهنم والتي تكفي كل واحدة منها لصد الإنسان عن الذنب إنّما اقتبست من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، فقد جاء في الآية:
«قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً ...» [٢].
وجاء في أخرى: «يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلْ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ ...» [٣].
يعني أنّها على قدر من الكبر والسعة بحيث لا تمتلىء بسهولة، وجاء في أية أخرى: (خُذُوهُ فَغُلُّوهُ* ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ* ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ» [٤].
وجاء في آية أخرى: «مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ» [٥]، قطعاً من يؤمن
[١] «صديد»: الماء الساخن، كما ورد بمعنى ماء الجرح الرقيق.
[٢] سورة التوبة/ ٨١.
[٣] سورة ق/ ٣٠.
[٤] سورة الحاقة/ ٣٠- ٣٢.
[٥] سورة إبراهيم/ ١٦.