نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٧٢
الأكرم صلى الله عليه و آله بهذا الخصوص، وأفضل محمل لها يتمثل ب «الاجتهاد مقابل النص» وعدم اعتبارهم وصايا النبي الأكرم صلى الله عليه و آله لمصلحة المسلمين، ولكن على كل حال فانّ مؤججي نيران تلك المعركة هى العناصر المعروفة في الجاهلية وخصوم الدعوة كأبي سفيان وأعوانه الذين نفذوا تدريجياً إلى الخلافة الإسلامية وتقدموا إلى الصفوف الأمامية بعد أن كانوا من المؤخرين، فسيطروا على كل شيء وإرتكبوا من المفضائع ما ليس له مثيل في التاريخ أو قل مثيله، لكن الخطبة تشير بصورة دقيقة إلى نهجهم ومسارهم وبالتالي عاقبتهم.
والجدير بالذكر أنّ ابن أبي الحديد المعروف بتعصبه في مسألة خلافة النبي الأكرم صلى الله عليه و آله والخلفاء الأوائل قد اعترض صراحة ليقول بأنّ الإمام عليه السلام قصد بهذه الخطبة مسألة الخلافة والإمامة غير أنّه سعى بتكلف ليراها مختصة بزمان بني امية، ثم يفصل العبارة:
«حَتَّى إِذَا قَبَضَ اللَّهُ رَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ»
عن
«رَجَعَ قَوْمٌ عَلَى الْأَعْقَابِ»،
ويفسّرها لما بعد أربعين سنة [١]، وهو الضعف الذي لا يخفى على أحد، وذلك لأنّ صريح كلام الإمام عليه السلام هو أنّ هذه الحركة على الأعقاب قد بدأت مباشرة بعد رحيل النبي الأكرم صلى الله عليه و آله، والتاريخ يشهد بأنّ الجنايات بني امية جذور في عصر الخلفاء والطريف في الأمر أنّ هذه الإشارة وردت في «صحيح البخاري» الذي يعتبر من المصادر الروائية المعتبرة لدى العامّة في أنّ النبي الأكرم صلى الله عليه و آله أخبر عن الحوادث الأليمة من بعده، حيث قال:
«يَرِدُ عَلَيَّ الحَوضَ رِجَالٌ مِنْ أَصحَابِي فَيُحَلَّلوَ عَنْهُ فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أَصحَابِي، فَيَقُولُ، إِنَّكَ لاعِلمَ لَكَ بِما أَحدَثُوا بَعدَكَ إِنَّهُم إِرتَدُّوا عَلَى أَدبَارِهِم القَهقَرى» [٢]
. والعبارة إرتدوا جديرة بالتأمل.
والجدير بالذكر أنّه وردت عدّة روايات بهذا الخصوص وفي هذا الباب في صحيح البخاري والتي تدلّ جميعاً على قلق النبي الأكرم صلى الله عليه و آله بعد رحيله من أعمال طائفة من أصحابه، وهذا شاهد بيّن على ما ورد في هذه الخطبة بشأن الأحداث الأليمة بعد رحيل النبي صلى الله عليه و آله، والواقع هو أنّ النبي الأكرم صلى الله عليه و آله أراد بهذا البيان تحذير أصحابه في أن يراقبوا أنفسهم وأنّهم
[١] يمكن الوقوف على شرح كلام ابن أبي الحديد واعترافاته وتوجيهاته الضعيفة في شرح نهج البلاغة ٩/ ١٣٤.
[٢] صحيح البخاري ٨/ ٢١٧، ح ١٦٥ (باب ما جاء في حوض النبي).