نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٦٨ - القسم الثاني خصائص أنصار النبي صلى الله عليه و آله
وقد أشارت الآشارت القرآنية إلى هذه الطائفة في عدّة موارد واصطلحت على عقابهم بالاستدراج. ثم تحدّث عن الطائفة الثانية والثالثة فقال:
«حَتَّى إِذَا اخْلَوْلَقَ [١] الْأَجَلُ،
وَاسْتَرَاحَ قَوْمٌ إِلَى الْفِتَنِ، وَأَشَالُوا [٢] عَنْ لَقَاحِ [٣] حَرْبِهِمْ، لَمْ يَمُنُّوا عَلَى اللَّهِ بِالصَّبْرِ، وَلَمْ
يَسْتَعْظِمُوا بَذْلَ أَنْفُسِهِمْ فِي الْحَقِّ؛ حَتَّى إِذَا وَافَقَ وَارِدُ الْقَضَاءِ انْقِطَاعَ مُدَّةِ الْبَلَاءِ، حَمَلُوا بَصَائِرَهُمْ عَلَى أَسْيَافِهِمْ، وَدَانُوا لِرَبِّهِمْ بِأَمْرِ وَاعِظِهِمْ».
وهكذا ميّز هذه الطوائف الثلاث التي لا يخلو مجتمع من نظائرها، وكل تسلك طريقها، وقد قسمهم جمع من شرّاح نهج البلاغة إلى قسمين، والعبارة:
«وَاسْتَرَاحَ قَوْمٌ إِلَى الْفِتَنِ ...»
، اعتبروها إشارة إلى الصالحين الذين يتخذون جانب الصمت والتقية تجاه بعض الفتن في زمان معين حتى يحين موعد القيام، والعبارة:
«لَمْ يَمُنُّوا ...»
معطوفة عليها.
وكما أشرنا سابقاً فقد اختلف شرّاح نهج البلاغة بشأن هؤلاء القوم ومن هم اولئك الأفراد ومتى ينهضون ومن هو زعيمهم وفي أي وقت يظهر.
ذهب البعض إلى أنّ ذلك هو زمان بني امية الذين يتسلطون بادىء الأمر على كافة البلاد الإسلامية ويطردون الأخيار الصالحين من الساحة ويختفون أصوات المظلومين، ولكن لا تمرّ مدّة حتى تقوم طائفة ضدهم وتطيح بسلطانهم وتقذف بهم في مزبلة التاريخ.
ويرى البعض الآخر أنّهم أنصار الإمام المهدي عليه السلام الذين ينهضون بالأمر بعد كل ذلك الفساد والظلم والإبتعاد عن اللَّه سبحانه بأمر من إمامهم فيملأون الأرض قسطاً وعدلًا بعد أنّ تملأ ظلماً وجوراً، ولكن بالنظر إلى ما سيرد في المقطع الآخر يبدو أنّها إشارة إلى ناس يعيشون في الجاهلية وقد سلكوا سبيل الفساد، ثم نهض عليهم ثلة من الصالحين التي تهب لنصرة النبي الأكرم صلى الله عليه و آله فتصحي بما لها ونفسها حتى ينتشر الإسلام في كل مكان.
والعبارة:
«حَمَلُوا بَصَائِرَهُمْ عَلَى أَسْيَافِهِمْ ...»
، تعبير غاية في الروعة تشير إلى أنّ الجهاد الإسلامي لابدّ أن يبتني على العلم والجهاد الثقافي مقدم على الجهاد العسكري.
[١] «اخلولق»: من مادة «خلق» أحد معانيها القدم، وتعني هنا الانتهاء لأنّ لازمة القدم انتهاء العمر الشيء.
[٢] «اشالوا»: من مادة «شول» على وزن قول تعني في الأصل رفع الشيء كرفع الحيوان لذيله، وتعني هناالكف عن القتال.
[٣] «لقاح»: تعني بداية الحرب.