نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٦٤ - القسم الأول إنتظام كل شيء في ظل وجوده
ثم خاض الإمام عليه السلام في ذكر الدليل لترك الاستعجال فقال:
«فَكَمْ مِنْ مُسْتَعْجِلٍ بِمَا إِنْ أَدْرَكَهُ وَدَّ أَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْهُ. وَمَا أَقْرَبَ الْيَوْمَ مِنْ تَبَاشِيرِ [١] غَدٍ!»
، إشارة إلى الانتصارات الموعودة بعد الفتن (لاسيّما ظهور المهدي عليه السلام الذي وردت الوعود الصريحة في عصر النبي بشأن بسط العدل والقسط في كافة أنحاء العالم)، وفي عدم استعجالها وذلك لأنّ لكل شيء زمان وشرائط، وما لم تحصل الشرائط فهى كالثمار الخام وتقطف من الشجرة فلا يؤدّي ذلك سوى إلى الندم.
ثم خاطب الناس قائلًا بأنّ الآن أوان تحقق ما وعدتم به (من ظهور الفتن والبلابل وسلطة الظلمة وزيادة الضغط على المظلومين):
«يَا قَوْمِ، هذَا إِبَّانُ [٢] وُرُودِ كُلِّ مَوْعُودٍ، وَدُنُوٍّ مِنْ طَلْعَةِ
مَا لَاتَعْرِفُونَ».
ثم تحدّث بصورة أوضح عن هذا الظهور العظيم فقال:
«أَلَا وَإِنَّ مَنْ أَدْرَكَهَا مِنَّا يَسْرِي فِيهَا بِسِرَاجٍ مُنِيرٍ، وَيَحْذُو [٣] فِيهَا عَلَى مِثَالِ الصَّالِحِينَ»
، ثم تطرق في مواصلته لحديثه إلى برامج ذلك المصلح الكبير بعبارات قصيرة عميقة المعنى، فقال:
«لِيَحُلَّ فِيهَا رِبْقاً [٤]، وَيُعْتِقَ فِيهَا رِقّاً،
وَيَصْدَعَ [٥] شَعْباً [٦]، وَيَشْعَبَ صَدْعاً، فِي سُتْرَةٍ عَنِ النَّاسِ لَايُبْصِرُ الْقَائِفُ [٧] أَثَرَهُ وَلَوْ تَابَعَ
نَظَرَهُ».
فهذه العبارات تنطبق تماماً على قضية ظهور المهدي عليه السلام، لأنّه يقطع أغلال الأسر ويطلق المظلومين ويكسر شوكة الظالمين ويفرق جمعهم، فهو يعيش لسنوات في الخفاء بحيث يعجز أعظم الباحثين عن العثور عليه، وقد أورد البعض من شرّاح نهج البلاغة عدّة تفاسير
[١] «تباشير»: بمعنى البشارة وأوائل كل شيء (والذي يشير في الواقع بوروده) وتباشير الصبح بمعنى أوائله، وذهب البعض إلى أنّ تباشير جمع تبشير، ولكن يستفاد من تعبيرات البعض أنّها مفرد أو جمع لا مفرد له.
[٢] «أبان»: بمعنى بداية ووقت كل شيء.
[٣] «يحذو»: من مادة حذو على وزن حذف بمعنى الاتباع.
[٤] «ربق»: بكسر فسيكون حبل فيه عدّة هرا، كل عروة ربقة تشدّ فيه البهم.
[٥] «يصدع»: من مادة «صدع» تعني في اللغة مطلق الشق، أو شق الأجسام المحكمة، كما وردت بمعنىالاظهار حيث يظهر باطن الشيء بالشق.
[٦] «شعب»: بمعنى جماعة عظيمة من الناس وتستعمل اليوم بمعنى الامة.
[٧] «قائف»: من مادة «قوف» على وزن خوف بمعنى البحث عن آثار الشيء، ويقال القائف لمن يتتبع آثار الأشياء أوالأفراد، وهذا هو معنى معرفة القيافة.