نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٥٤ - القسم الثاني وصيّة الإمام عليه السلام
فالإنسان لم يتعلق بما سوى اللَّه ولا يطلب غير رضاه ولم يحكم هو نفسه وطبّق كافة تعاليم النبي الأكرم صلى الله عليه و آله على كافة الأصعدة والمجالات فهو الإنسان سعيد وموفق، ومن هنا شبّه الإمام هذين الاثنين بعمودي الخيمة إن اقيما فانّ الخيمة ملاذ آمن من الحرارة والبرودة وواقية من أغلب المخاطر، كما شبّهها بمصباحين على جانبي الإنسان وهما يضيئان الفضاء والطريق، ومن البديهي ألا يبقى مجالًا للظلالة مع وجود هذين المصباحين المضيئين.
ولذلك قال الإمام عليه السلام في مواصلته لكلامه، إعملوا بهذه الوصايا وخلاكم ذم، وسوف لن يكون هناك من خلل ونقص في دينكم وإيمانكم وحياتكم، ولكنه يشترط ذلك بمواصلة الطريق دون الانحراف، والالتزام بمسار التوحيد والعمل بالسنّة، والواقع هو أنّ جميع أصول الإسلام وفروعه قد جمعت في هذه العبارة: فالتوحيد يشمل كافة الاصول العقائدية وحفظ سنة النبي الأكرم صلى الله عليه و آله يشمل جميع التعاليم العلمية والأخلاقية، وإن قال عليه السلام أقيموا هذين العمودين وخلاكم ذم، للدليل السابق، ولما كان إقامة التوحيد وسنّة النبي صلى الله عليه و آله في جميع الأبعاد ليس ميسراً للجميع وذلك لعدم تساوي القدرات الفكرية والجسمية، فقد قال عليه السلام:
«حُمِّلَ كُلُّ امْرِىً مِنْكُمْ مَجْهُودَهُ، وَخُفِّفَ عَنِ الْجَهَلَةِ»
، وهو ذات الأمر الذي اشير إليه كراراً في الآيات الروايات.
فقد قال القرآن الكريم: «لَايُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا ...» [١].، وقال في موضع آخر:
«لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آتَاهَا ...» [٢].
وجاء في الحديث عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال:
«يُغَفرُ لِلجَاهِلِ سَبعُونَ ذَنباً قَبلَ أَنْ يُغفَرَ لِلعَالِمِ ذَنبٌ وَاحدٌ» [٣]
. كما ورد عن الإمام الباقر عليه السلام:
«إِنّما يُداقُ العِبادُ فِي الحِسابِ يَومَ القِيامَةِ عَلَى قَدَرِ مَا آتَاهُم مِنَ العُقُولِ فِي الدُّنيا» [٤]
، والواقع أنّ هذا هو مقتضى العدالة في أن تؤخذ القدرات الفكرية والجسمية للأفراد بنظر الاعتبار في تفويض المسؤوليات والحساب على المخالفات، ومن هنا قال الإمام عليه السلام:
«رَبٌّ رَحِيمٌ، وَدِينٌ قَوِيمٌ، وَإِمَامٌ عَلِيمٌ».
[١] سورة البقرة/ ٢٨٦.
[٢] سورة الطلاق/ ٧.
[٣] اصول الكافي ١/ ٤٧، ح ١.
[٤] المصدر السابق/ ١١.