نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٥٥ - القسم الثاني وصيّة الإمام عليه السلام
والواقع هو أنّ كافة أسباب السعادة في ظل هذه الثلاث، فاللَّه سبحانه رحيم قد فتح كافة أبواب السعادة بوجه الإنسان والدين الذي أتى به نبي الإسلام صلى الله عليه و آله يتمتع برسوخ لا مثيل له، والإمام عليه السلام الذي نصب لإجراء أحكام الدين عادل من جميع الجوانب يمكن أن تكون كلمة الإمام هنا إلى شخص النبي الأكرم صلى الله عليه و آله أو علي عليه السلام أو جميع أئمة الإسلام من النبي الأكرم صلى الله عليه و آله حتى آخر الأئمة الإمام المهدي (سلام اللَّه عليهم أجمعين)، ومن الطبيعي أنّ مثل هذا الرب والدين والإمام لا يكلّف الإنسان سوى على قدر وسعه.
ثم أشار الإمام عليه السلام في الختام إلى نقطة مهمّة ليكمل بها القسم الأول والثاني فقال:
«أَنَا بِالْأَمْسِ صَاحِبُكُمْ، وَأَنَا الْيَوْمَ عِبْرَةٌ لَكُمْ، وَغَداً مُفَارِقُكُمْ! غَفَرَ اللَّهُ لِي وَلَكُمْ!»
، إشارة إلى أنّكم إن جعلتم هذه الأيام الثلاث مع بعضها لعلمتكم مطالب كثيرة، فبالأمس كنت مثلكم، بل زعيمكم وقائدكم حيث صرعت الكثير من على شاكلة عمرو بن عبد ود، لقد فتحت خيبر وقلعت بابها، ودافعت عن رسول للَّهصلى الله عليه و آله في ميادين القتال حين تظافرت علينا الأعداء، وكنت أجندل الأبطال في الجمل وصفين والنهروان، لكنني اليوم لكم عبرة بعد أن رقدت على فراش الموت، وغذاً أنا مفارقكم،، سوف ترون مكاني خالياً، أو ليست هذه الأيام الثلاث تكفيكم عبرة لتكشف عن وضع الدنيا وتفاهتها؟ حقاً لم يسمع كلام أبلغ من هذا الكلام وبهذا الاختصار والعمق في المعنى.
أمّا بشأن المراد من العبارة
«وَغَداً مُفَارِقُكُمْ ...»
، هل هو الإخبار عن شهادته في ذلك الوقت أم الإخبار عن مستقبل بعيد والذي ورد التعبير عنه في العبارات المتداولة بقولهم غداً؟ يبدو هنالك خلافاً بين شرّاح نهج البلاغة، ولكن ما يفهم من القرآن المختلفة وسائر كلمات الإمام عليه السلام في تلك الحادثة الأليمة وقبلها أنّ المراد الخبرالقطعي عن المستقبل القريب، ولا يتنافي ذلك مع العبارة:
«إن تَثبُتِ الوطَأةُ ...»
، لأنّ مثل هذه التعبيرات تهدف إلى بيان مقاصد خاصة واعتيادية، كما ورد في القرآن الكريم: «أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ ...» [١]. والحال يعلم اللَّه سبحانه أنّ نبيّه صلى الله عليه و آله لا يقتل، فهدف الإمام عليه السلام هنا بيان هذا المطلب، أنّي لو بقيت لعفوت عن ضاربي.
[١] سورة آل عمران/ ١٤٤.