نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٠٠ - التعامل مع الدنيا
القرآن الكريم:
«يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنْ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنْ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ» [١].
وقال في النقطة الثانية التي تمثل في الواقع نتيجة بالنسبة للنقطة الأول:
«فَالْبَصِيرُ مِنْهَا شَاخِصٌ، وَالْأَعْمَى إِلَيْهَا شَاخِصٌ».
وبناءاً على هذا فقد استعمل الشاخص بمعنيين وما يصطلح عليه بالجنس التام، المعنى الأول من مادة شخوص بمعنى الرحيل والمفارقة، والمعنى الثاني التطلع وتصويب العين نحو موضع والتخلف عن الحركة، وكأن العين تريد مغادرة الحدقة، وللعبارة تفسير آخر اقتصر على ذكره شرّاح نهج البلاغة وهو أنّ الشاخص هنا يعني الراحل غاية ما في الأمر تطلق حين يقال «منها شاخص»، كما يقال «إليها شاخص» وهذا هو الفارق بين من كانت له بصيرة والأعمى، وقال في النقطة الثالثة والأخيرة:
«وَالْبَصِيرُ مِنْهَا مُتَزَوِّدٌ، وَالْأَعْمَى لَهَا مُتَزَوِّدٌ».
فهل البصيرة يتزودون من الدنيا للآخرة كما صرّح بذلك القرآن الكريم: «وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى» [٢]، بينما يتزود عمي القلوب من أجل العيش في الدنيا، فهناك اختلاف تام بين المسيرين بتعين فقط بكلمة «منها» و «لها».
التعامل مع الدنيا
هناك على الدوام نظرتان يمتلكها الإنسان تجاه الدنيا، فأتباع الأديان السماوية يرون الدنيا بصفتها منزلًا لابدّ من التزود فيها إلى الآخرة، يبلغون مرادهم بواسطة هذا الزاد والمتاع وليس لهم من مراد سوى السعادة الأبدية والفوز برضوان اللَّه سبحانه وتعالى، أمّا أتباع المدرسة المادية (والمدارس التي تتفق معها) فهم ينظرون إلى الدنيا على أنّها الهدف النهائي والغاية فيوظفون كافة طاقاتهم ويجندون قواهم من أجل الظفر بها، وأحياناً يتفق أصحاب النظرة الأولى في العمل مع أتباع النظرة الثانية، يعني رغم اعتقادهم بأنّ الدنيا وسيلة لنيل الآخرة، إلّا أنّ عملهم يشير إلى نسيان ذلك الاعتقاد وتعاملهم مع الدنيا كهدف نهائي ومن هنا وردت
[١] سورة الروم/ ٧.
[٢] سورة البقرة/ ١٩٧.