نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٩٩ - بحث في اسلوب تقسيم العطاء
دون أن يضيع شيئاً ظاهرياً، كأن يعد طعاماً كثيراً للغاية وفاخراً لبضعة أفراد، بينما يمكن إطعام عشرات الأفراد بتلك القيمة، فقد أشار الإمام عليه السلام في هذا المقطع من خطبته إلى الآثار المعنوية السيئة لصرف الأموال في غير مواضعها، حيث يمكن أن يحظى الإنسان في ظلهاً بمكانة معينة إلى أجل بين الناس، بينما يسقط بالمرة أمام اللَّه ويعرض نفسه لأشد العقاب في يوم الجزاء، وأمّا نعته مثل هذا العطاء بالتبذير والاسراف، فذلك لأنّه يؤدّي إلى اشاعة التبذير والإسراف في وسط المجتمع، فاولئك الذين يأخذون أكثر من الحدّ اللازم، لا يسعهم غالباً إفاضة جزء منه على الآخرين، كما لا يستطيعون احتماله بأنفسهم، فلا مناص من بروز حالة التبذير والإسراف.
ثم إختتم الإمام عليه السلام خطبته بالإشارة إلى الآثار الدنيوية السيئة لذلك العمل فقال:
«وَلَمْ يَضَعِ امْرُؤٌ مَالَهُ فِي غَيْرِ حَقِّهِ وَلَا عِنْدَ غَيْرِ أَهْلِهِ إِلَّا حَرَمَهُ اللَّهُ شُكْرَهُمْ، وَكَانَ لِغَيْرِهِ وُدُّهُمْ.
فَإِنْ زَلَّتْ بِهِ النَّعْلُ يَوْماً فَاحْتَاجَ إِلَى مَعُونَتِهِمْ فَشَرُّ خَلِيلٍ وَأَلْأَمُ خَدِينٍ [١]!».
والعبارة ألأم خدين إشارة إلى أنّ اولئك الأفراد الذين أحسن إليهم ليس فقط لا يقدمون المساعدة لمن أحسن إليهم في يوم عوزه فحسب، بل تبلغ بهم الوضاعة واللؤم أن يتحولوا إلى ذامّين، أمّا ما فهمه بعض شرّاح نهج البلاغة من أنّ العبارة تعني اللوم والتوبيخ، فلعل ذلك كون الصديق هو المصداق الواضح للوضاعة حين الحاجة، وقد دلّ التاريخ والتجارب الشخصية كراراً ومراراً على أن أغلب الظلمة والأثرياء الذين يغدقون الأموال على أصدقائهم، لم يمهد أحد لهم يد العون حين ذاقوا وبال أعمالهم، بل نفر عنهم أقرب أصدقاؤهم القدماء، ولعل بيت الشعر المعروف للشاعر المشهور حافظ الشيرازي والذي تتناقله الألسن ومضمونه «أني لم أتأثر قط بما يفعله الأجانب، بقدر ما أتأثر مما يفعله الصديق) إشارة إلى هذا المعنى.
بحث في اسلوب تقسيم العطاء
يستفاد من هذه الخطبة الشريفة أنّ الإمام عليه السلام كان شديد الحرص على تقسيم أموال بيت
[١] «خدين»: من مادة «خدن» بمعنى الصداقة وخدن على وزن اذن بمعنى الصديق وجمع ذلك أخدان.