نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٩٨ - المنصب والعدالة
ثم أضاف عليه السلام قائلًا:
«وَاللَّهِ لَاأَطُورُ [١] بِهِ مَا سَمَرَ سَمِيرٌ [٢]، وَمَا أَمَ [٣] نَجْمٌ فِي السَّمَاءِ
نَجْماً!».
فقد بيّن الإمام عليه السلام رسوخ عزمه بهذا الشأن بعبارات صريحة وقوية، فهو يقسم من جانب، ويستعمل العبارة لا أطور من جانب آخر، والمراد ليس فقط لا أفعل هذا، بل لا أقاربه ولا أحوم حوله، إلى جانب ذلك أشار إلى الحركة المتواصلة والأبدية للنجوم في السماء والليل والنهار في الأرض، كناية عن مراده لو كان عمري خالداً فلست مستعداً للمارسة مثل هذا الظلم والتمييز، ثم أكّد ذلك بقوله:
«لَوْ كَانَ الْمَالُ لِي لَسَوَّيْتُ بَيْنَهُمْ، فَكَيْفَ وَإِنَّمَا الْمَالُ مَالُ اللَّهِ!».
فالعبارة وإن بدت صعبة على الأفراد الذين ليس لهم بُعد نظر واولئك الذين يضحون بالحق والحقيقة من أجل المصلحة، إلّاأنّ الحق هو أنّ هذه العبارة إنّما تتفق وسنّة رسول اللَّه صلى الله عليه و آله وتعاليم القرآن الكريم والقيم الإسلامية العليا، وهذا ما سنعرض له في البحث القادم.
ثم أشار الإمام علي عليه السلام إلى مفاسد الظلم والجور والتقسيم غير العادل لأموال بيت المال فقال:
«أَلَا وَإِنَّ إِعْطَاءَ الْمَالِ فِي غَيْرِ حَقِّهِ تَبْذِيرٌ وَإِسْرَافٌ، وَهُوَ يَرْفَعُ صَاحِبَهُ فِي الدُّنْيَا وَيَضَعُهُ فِي الْآخِرَةِ، وَيُكْرِمُهُ فِي النَّاسِ وَيُهِينُهُ عِنْدَ اللَّهِ».
قد يكون التبذير والاسراف بمعنى واحد ويرادف كلّ منهما الآخر تارة، وتارة أخرى بمعنيين، لأنّ التبذير بالمعنى الواقعي يختلف عن الاسراف، فالتبذير من مادة بذر بمعنى نثر البذور وتستعمل حين يضيع الإنسان نعمة اللَّه ويطرحها جانباً، وبعبارة أخرى ينفق الأموال في غير موضعها، أمّا الاسراف فهو المبالغة في إستهلاك النعم بحيث يخرج من حالة الإعتدال
[١] «أطور»: من مادة «طور» على وزن غور بمعنى حام حول الشيء، والمفردة طور وجمعها أطوار وردتبمعنى نوع وحالة وصيغة.
[٢] «سمير»: من مادة «سمر» على وزن تمر حديث الليل، وقال البعض أن المعنى الأصلي لهذه المادة هو الاختلاط بالنور والظلمة، ولما كانت أحاديث الليل تتم أحياناً في ظلّ النور، فقد ستخدمت هذه المفردة بشأن أحاديث الليل، وإن اطلق الأسمر على بعض الأفراد فذلك لأنّ بياض بشرتهم مشوب باللون الغامق.
[٣] «أمّ»: من مادة «أم» على ورن غم بمعنى القصد، والعبارة (ما أمّ نجم في السماء نجماً) كناية عن طلوع النجوم وغروبها متتابعة، وكأنّ كل نجم يقصد متابعة الآخر.