نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٤٩ - القسم الأول كيف وقعتم في فخ العدو
وَبَاطِنُهُ عُدْوَانٌ، وَأَوَّلُهُ رَحْمَةٌ، وَآخِرُهُ نَدَامَةٌ».
وعليه:
«فَأَقِيمُوا عَلَى شَأْنِكُمْ، وَالْزَمُوا طَرِيقَتَكُمْ، وَعَضُّوا عَلَى الْجِهَادِ بِنَوَاجِذِكُمْ، وَلَا تَلْتَفِتُوا إِلَى نَاعِقٍ نَعَقَ: إِنْ أُجِيبَ أَضَلَّ، وَإِن تُرِكَ ذَلَّ».
لكن مع الأسف فقد وقعت هذه الفتنة (التحكيم) ورأيتكم استجبتم لها، والآن قد ارتفع صوتكم بعد أن سقطتم في الفتنة:
«وَقَدْ كَانَتْ هذِهِ الفَعْلَةُ، وَقَدْ رَأَيْتُكُمْ أَعْطَيْتُمُوهَا».
حقّاً، إنّه لمن دواعي العجب! فقد عرضوا الإمام لأشد الضغوط في اللحظات الأخيرة لتلك المعركة المصيرية والتي أشرفت على تحقيق النصر النهائي حتى فرضوا عليه الاستجابة لخدعه عمرو بن العاص وقبول التحكيم، بل أبعد من ذلك هددوه بالقتل إن لم يصدر أمره لمالك الأشتر بالانسحاب والفّ عن القتال، ولما زالت الحجب وتكشفت الأمور وبانت الخدعة توجهوا باللوم إلى الإمام عليه السلام لم قبلت التحكيم، بدلًا من العودة إلى نفوسهم والاعتذار والهم بإصلاح ما بدر منهم من أخطاء).
الجدير بالذكر في هذا الأمر أنّ الإمام عليه السلام ميز الخوارج في بداية الأمر إلى فرقتين، فرقة شهدت صفين وأخرى لم تشهدها، لتتضح قضية وهى إن تمرّت الفرقة الثانية بفعل جهلها وعدم إحاطتها بأحداث صفين، فما بالكم أنتم الذين شهدتم صفين وتابعتم الأحداث؟ فما المنطق والاسس التي دفعتكم للقدوم إلى النهروان؟ كيف تتهموني بمسؤولية التحكيم؟
وهكذا أتمّ الحجّة عليهم وعلى اولئك الفريق الثاني الذي خدع بالفريق الأول ورافقه إلى الميدان، وليس هنالك أسوأ ممن لا يصغي لكلام الناصح الأمين المشفق، فان أصابته مصيبة بما قدمت يداه نسب التقصير فيها إلى ذلك الناصح وجابهه بالإعتراض، نعم، هذا هو دين الأفراد البعيدين عن الانصاف والذين ينسون ما يصدر منهم من أفعال.
ثم أوضح الإمام عليه السلام حقيقة الموقف بصورة أخرى ليقسم بأنّه لو لم يقبل التحكيم لما كان عليه من مسؤولية في الالتزام بلوازمها ولا يحملها اللَّه سبحانه ذنبها ووزرها:
«وَاللَّهِ لَئِنْ أَبَيْتُهَا مَا وَجَبَتْ عَلَيَّ فَرِيضَتُهَا، وَلَا حَمَّلَنِيَ اللَّهُ ذَنْبَهَا».
إشارة إلى مراده: إن خالفت بشدّة مسألة التحكيم في بداية الأمر فذلك لكي لا أكون مسؤولًا تجاه لوزامها ولا يلحقني وزرها؛ لأنّ قضية التحكيم أدّت إلى تقوية حكومة