نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١١٨ - القسم الأول المخلّفون الضعفاء والجهّال
الظروف:
«فَقَالَ عليه السلام: مَا بَالُكُمْ! لَا سُدّدْتُمْ [١] لِرُشْدٍ! وَلَا هُدِيتُمْ لِقَصْدٍ! أَفِي مِثْلِ هذَا يَنْبَغِي لِي أَنْ أَخْرُجَ؟ وَإِنَّمَا يَخْرُجُ فِي مِثْلِ هذَا رَجُلُ مِمَّنْ أَرْضَاهُ مِنْ شُجْعَانِكُمْ وَذَوِي بَأْسِكُمْ».
فلم يكم متعارفاً في أي مكان من الدنيا ولا عصر من العصور أن ينهض زعيم فرقة أو رئيس دولة بشخصه للتدخل في حادثة صغيرة وبلبلة معينة، بل عادة ما يوجه لها أحد آمريه برفقة مجموعة من العناصر الشجاعة والوفية من أجل إخماد الفتنة وحل النزاع، وذلك لأنّ التخلي عن مركز الحكومة من شأنه أن يقود إلى عدّة مخاطر جانبية، ومن هنا واصل الإمام كلامه قائلًا:
«وَلَا يَنْبَغِي لِي أَنْ أَدَعَ الْجُنْدَ وَالْمِصْرَ وَبَيْتَ الْمَالِ وَجِبَايَةَ الْأَرْضِ، وَالْقَضَاءَ بَيْنَ الْمُسْلِميْنَ، وَالنَّظَرَ فِي حُقُوقِ الْمُطَالِبينَ، ثُمَّ أَخْرُجَ فِي كَتِيبَةٍ [٢] أَتْبَعُ أُخْرَى، أَتَقَلْقَلُ تَقَلْقُلَ [٣] الْقِدْحِ [٤] فِي الْجَفِيرِ [٥] الْفَارِغِ [٦]».
فقد أشار الإمام عليه السلام بهذه العبارة إلى ستة جوانب تتضمن الوظائف المهمّة لرئيس الدولة يمكنها الإنهيار جميعاً فيما إذا شغر مركز الحكومة من ذلك الرئيس، وهى الاشراف على الجند وأمور العسكر والجيش والحفاظ على مركز الدولة وحفظ بين مال المسلمين وجباية الخراج والضرائب والقضاء بينهم والدفاع عن حقوق عنهم.
فمن البديهي يمكن لرئيس الدولة أن يشخص بنفسه للتعامل مع الحوادث الضحمة ويهب لمواجهة العدو، أمّا في غيرها من الحوادث ذات الطبيعة العادية، فيمكن لغيره التعامل معها، وتشير سيرة الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله أنّه كان يشخص بنفسه الشريفة في الغزوات المهمّة المصيرية، فيتزعم الجند، وكان ينصب بعض الأفراد في الغزوات العادية فيسلمه الراية
[١] «سددتم»: من مادة «سد» المعروف المعنى ولما كان السد هو البناء المحكم فالتسديد يعني الإحكاموالترسيخ وسدده وفقه للسداد.
[٢] «كتيبة»: طائفة من الجيش قال بعض أرباب اللغة يتراوح عددها من مئة إلى ألف.
[٣] «تقلقل»: الحركة من جانب إلى آخر.
[٤] «قدح»: بكسر القاف السهم أو القطعة من الخشب وقيل أيضاً هو السهم قبل أن يراش وينصل.
[٥] «جفير»: الكنانة التي توضع جانب الفرس وتوضع فيها السهام.
[٦] «الفراغ»: بمعنى الخالي.