نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١١٩ - القسم الأول المخلّفون الضعفاء والجهّال
ويوصيه ببعض التعاليم كما يوصي الجيش بطاعة أوامره، وهكذا كانت تحصل أغلب الغزوات في تاريخ الإسلام والتي يصطلح عليها عادة بالسرية، غاية ما في الأمر أنّ صحابة النبي الأكرم صلى الله عليه و آله كانوا يأتمرون بأوامره بحيث يطيعونه في كل ما يقول ولم يكن يرد عليه أحد بأن سرت سرنا معك.
نعم، صحيح لكل قسم مسؤول على أساس تقسيم وتنظيم شؤون البلاد، لكن لا يخفى الدور الحيوي الذي يلعبه الرئيس المشرف على اولئك المسؤولين في تقدم الأعمال والنهوض بها قدماً، هذا الأمر واضح تماماً، بل هو من البديهيات، لكن اولئك المتقاعسون المسلوبون الإرادة والضعاف الذين يتذرعون بمختلف الذرائع من أجل إجتناب مواجهة العدو فيشترطون شرطاً غاية فيالبعد عن المنطق لخروجهم، وبعبارة أخرى شرطهم هو تعليق على المحال، ويواصل الإمام عليه السلام كلامه من خلال تشبيه رائع لشخصه بقطب الرحا ومحورها والذي يفيد ضرورة بقائه في موضعه (بحيث تدور كل الأمور من خلاله) فان إبتعد هذا المحور عن مركزه اختلت حركة جميع الأشياء:
«وَإِنَّمَا أَنا قُطْبُ الرَّحَى، تَدُورُ عَلَيَّ وَأَنَا بِمَكَانِي، فَإِذَا فَارَقْتُهُ اسْتَحَارَ [١] مَدَارُهَا، وَاضْطَرَبَ ثِفَالُهَا».
فقد جرت العادة سابقاً على الاستفادة من الرحى اليدوية أو المائية والهوائية من أجل طحن الحنطة والشعير، وكانت بنية هذه الآليات بسيطة وواضحة، فقد كانت هناك حجرة ثابتة في الأسفل وأخرى تتحرك في الأمام بواسطة حركة اليد أو ضغط الماء الذي يعبر من تحتها أو الرياح، وكان وسط الحجرين قطب يدور حول محوره الحجر لو كسر القطب لخرج الحجر عن مساره ووقع جانباً إلى جانب ذلك كان هناك جلد كبير أو قطعة من القماش تبسط تحت الرحا لجمع الدقيق بسهولة، حيث إذا خرج الدقيق من وسط الحجرين وقع عليه، ولو زال ذلك القطب والمحور الأصلي لوقفت الرحا عن الحركة ووقع الحجر على تلك القطعة من القماش أو الجلد وإضطراب.
هذا ما أشار إليه الإمام بقوله:
«اسْتَحَارَ مَدَارُهَا، وَاضْطَرَبَ ثِفَالُهَا»
، إضافة إلى ذلك فانّ
[١] «استحار»: من مادة «تحير وحيرة» بمعنى التردد والاضطراب وتطلق على السحب الثقيلة التي لا تدعها الرياح تتحرك في مسارها وكأنّها تبقى مضطربة مترددة.