الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٨٩ - يا ليتني متّ قبل هذا
وَ لَمْ أَدْرِ ما حِسابِيَهْ يا لَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ [١].
نعم، في ذلك اليوم العظيم، يوم البعث و يوم البروز و الظهور، يوم الحساب و المحكمة الإلهية العظيمة، حيث تتوضّح و تنكشف حقيقة الأعمال القبيحة و السيّئة للإنسان .. و عند ما يواجهها يبدأ يجأر و يصرخ و يطلق الزفرات الساخنة المتلاحقة من الأعماق على المصير السيء الذي أوصل نفسه إليه، و الشرّ الذي جلبه عليها، و يتمنّى أن يقطع علاقته بماضيه الأسود تماما، و يتمنّى أن يموت و يفنى و يتخلّص من هذه الفضيحة الكبيرة المهلكة، و يعبّر عن هذا الشعور قوله تعالى: وَ يَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً [٢] و ذكرت تفاسير اخرى- أيضا- لمعنى قوله: يا لَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ منها أنّ المقصود من (القاضية) هي الموتة الاولى، يعني يا ليتنا لم نحي مرّة اخرى و نبعث من جديد، في حين كان أقبح شيء في نظرهم هو الموت، و يتمنّى هؤلاء أن لو استمرّ موتهم و لم يواجهوا الخزي في حياتهم الثانية في المحكمة الإلهية العادلة.
و قيل أنّ المقصود من «القاضية» (نفخة الصور) الاولى حيث عبّر عنها ب (القارعة) أيضا، و يعني ذلك تمنّيهم عدم حدوث النفخة الثانية، لذا فهم يقولون: يا ليت لم تكن هذه النفخة، إلّا أنّ التّفسير الذي تحدّثنا عنه في البداية أنسب من الجميع.
ثمّ يضيف تعالى مستعرضا اعتراف المجرمين بذنوبهم فيقول: ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ فالأموال التي كنت أجمعها في الدنيا لم تنقذني الآن و لم تعنّي و لم تدفع عنّي الأهوال أو تحلّ مشاكلي.
(هاء السكتة) أو (الاستراحة) و كما قلنا فإنّ هذه الهاء ليس لها معنى خاصّ، بل إنّها تعتبر وقفا لطيفا في مثل هذه الكلمات، و لها تناسب مع الوضع الروحي و حالة الأشخاص الذين يقولون مثل هذا الكلام (يرجى الانتباه لذلك).
[١]- جملة (كانت القاضية) لها محذوف تقديره: (كانت هذه الحالة القاضية).
[٢]- النبأ، الآية ٤٠.