الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٧٥ - أين الآذان الواعية؟
إنّ طغيان الماء كان بصورة غطّى فيها السحاب و من هنا جاء تعبير (طغى) حيث هطل مطر غزير جدّا و كأنّه السيل ينحدر من السماء، و فاضت عيون الأرض، و التقت مياههما بحيث أصبح كلّ شيء تحت الماء (القوم و بيوتهم و قصور أكابرهم و مزارعهم و بساتينهم ...) و لم تنج إلّا مجموعة المؤمنين التي كانت مع نوح عليه السّلام في سفينة.
جملة (حملناكم) كناية عن حمل و إنقاذ أسلافنا و أجدادنا من الغرق، و إلّا ما كنّا في عالم هذا الوجود [١].
ثمّ يبيّن اللّه سبحانه الغاية و الهدف من هذا العقاب، حيث يقول تعالى:
لِنَجْعَلَها لَكُمْ تَذْكِرَةً وَ تَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ.
إنّنا لم نرد الانتقام منكم أبدا، بل الهداية و الخير و السعادة، كنّا نروم أن تكونوا في طريق الكمال و النضج التربوي و الوصول إلى ما ينبغي أن يكون عليه الإنسان المكرم.
«تعيها» من مادّة (وعى) على وزن (سعى) يقول (الراغب) في المفردات، و (ابن منظور) في لسان العرب: إنّها في الأصل بمعنى الاحتفاظ بشيء معيّن في القلب، و من هنا قيل لإناء (وعاء) لأنّه يحفظ الشيء الذي يوضع فيه، و قد ذكرت هذه الصفة (الوعي) للآذان في الآيات مورد البحث، و ذلك بلحاظ أنّها تسمع الحقائق و تحتفظ بها.
و الإنسان تارة يسمع كلاما إلّا أنّه كأن لم يسمعه، و في التعبير السائد: يسمع بإذن و يخرجه من الاخرى.
و تارة اخرى يسمع الكلام و يفكّر فيه و يتأمّله. و يجعل ما فيه خير في قلبه،
[١]- و من هنا قال البعض: إنّ للآية محذوف تقديره (حملنا آباؤكم).