الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٢٢ - الحمار الذي يحمل الأسفار
البقرة و هي تصف اليهود قائلة: أَ فَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ.
و يقول تعالى في آخر الآية في عبارة وجيزة: وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ.
صحيح أنّ الهداية شأن إلهي، و لكن ينبغي أن تهيّأ لها الأرضية اللازمة، و هي الروح التواقة لطلب الحقّ و البحث عنه، و هي امور يجب أن يهيّئها الإنسان نفسه، و لا شكّ أنّ الظالمين يفتقدون مثل هذه الأرضية.
و أوضحنا سابقا أنّ اليهود اعتبروا أنفسهم امّة مختارة، أو نسيجا خاصّا لا يشبه غيره، و ذهبوا إلى أبعد من ذلك حينما ادّعوا أنّهم أبناء اللّه و أحبّاؤه المنتقمون، و هذا ما أشارت إليه الآية (١٨) من سورة المائدة: وَ قالَتِ الْيَهُودُ وَ النَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَ أَحِبَّاؤُهُ (رغم أنّهم يقصدون الأبناء المجازيين).
و لكن القرآن شجب هذا التعالي مرّة اخرى بقوله: قُلْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [١].
فالأحبّاء يتمنون اللقاء دائما، و لا يتمّ اللقاء المعنوي باللّه يوم القيامة إلّا عند ما تزول حجب عالم الدنيا و ينقشع غبار الشهوات و الهوى، و حينئذ سيرى الإنسان جمال المحبوب و يجلس على بساط قربه، و يكون مصداقا ل فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ فيدخل إلى حرم الحبيب.
إنّ خوفكم و فراركم من الموت دليل قاطع على أنّكم متعلّقون بهذه الدنيا و غير صادقين في ادّعائكم.
و يوضّح القرآن الكريم هذا المعنى بتعبير آخر في سورة البقرة آية (٩٦) عند ما يقول تعالى:
[١]- اعتبر بعض المفسرين (من دون الناس) حالا لاسم إن، بينما قال آخرون: إنها صفة لأولياء.