الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٠ - الإيمان و الإنفاق أساسان للنجاة
و لأنّ للإنفاق قيما مختلفة و أحوالا متفاوتة الشرائط و الظروف، يضيف سبحانه: لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَ قاتَلَ [١].
هناك اختلاف بين المفسّرين حول المقصود من كلمة «الفتح» التي وردت في الآية، فقد اعتبرها البعض إشارة لفتح مكّة في السنة الثامنة للهجرة، و اعتبرها آخرون إشارة إلى فتح الحديبية في السنة السادسة للهجرة.
و بالنظر إلى أنّ كلمة «الفتح» فسّرت (بفتح الحديبية) في سورة: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً فالمناسب هنا أن يكون المقصود بها فتح الحديبية أيضا. إلّا أنّ كلمة (قاتل) تناسب فتح مكّة، لأنّه لم يحصل قتال في صلح الحديبية، بعكس فتح مكّة الذي حصل فيه قتال سريع و قصير، إذ لم يواجه بمقاومة شديدة.
و يحتمل أيضا أن يكون المراد من «الفتح» في هذه الآية هو جنس الفتح، و الذي يمثّل انتصار كلّ المسلمين في الحروب الإسلامية. و المقصود إجمالا أنّ الذين بذلوا المال و النفس في الظروف الحرجة مفضّلون على الذين ساعدوا الإسلام بعد سكون الموج و هدوء العاصفة، لذلك و للتأكيد أكثر يضيف تعالى:
أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَ قاتَلُوا.
و العجيب هنا أنّ بعض المفسّرين الذين اعتبروا مقصود الآية هو فتح مكّة، أو فتح الحديبية، اعتبروا مصداق المنفق في هذه الآية هو «أبو بكر». في حين أنّه ممّا لا شكّ فيه أنّ عدّة حروب و غزوات حصلت بين هجرة الرّسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و نزول آية الفتح و الذي استغرق من (٦- ٨) سنوات، و في هذه الفترة قاتل و أنفق الآلاف من الأشخاص في طريق الإسلام، إذ شارك في فتح مكّة فقط عشرة آلاف شخص، طبقا لما ورد في كتب التاريخ. و من الواضح أنّ أعدادا كبيرة في هذه المجموعة قدّمت الكثير من الأموال في سبيل اللّه و أعانت الإسلام في المجهود الحربي،
[١]- للآية محذوف يستفاد من المذكور، و تقديره (لا يستوي من أنفق من قبل الفتح و قاتل و الذين أنفقوا بعد الفتح و قاتلوا).