الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٨٥ - البشارة بظهور النّبي (أحمد)
و هكذا تنزل بمثل هذا الإنسان أعظم الدواهي، حيث يحرم من الهداية الإلهية و ينحرف قلبه عن الحقّ [١].
إنّ ما يستفاد من المفهوم الذي استعرضته الآية المباركة أنّ الهداية و الضلالة و إن كانت من قبل اللّه سبحانه، إلّا أنّ مقوّماتها و أرضيتها تكون من الإنسان نفسه، حيث يقول سبحانه: فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ و ذلك ما يوضّح أنّ الخطوة الاولى من الإنسان نفسه، و يقول سبحانه من جهة اخرى: وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ.
فإذا صدر من الإنسان ذنب و معصية فقد يسلب منه التوفيق و الهداية الإلهية و عندئذ يصاب بالحرمان الأكبر.
و قد بحثنا مفصّلا في هذا المجال في تفسير الآية (٣٦) من سورة الزمر، (فراجع).
و تشير الآية اللاحقة إلى مسألة تكذيب بني إسرائيل لرسالة عيسى عليه السّلام و مخالفتهم له، حيث يضيف تعالى: وَ إِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَ مُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ.
و هذا بيان من عيسى عليه السّلام أنّه يمثّل همزة وصل و حلقة من الرسالة بين نبيين و كتابين و امّتين، فقد سبقته رسالة موسى عليه السّلام و كتابه، و ستليه رسالة الإسلام على يد النبي العظيم محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.
و من هنا نلاحظ أنّ عيسى عليه السّلام لم يكن يدّعي غير الرسالة الإلهية و في مقطع زمني خاصّ، و أنّ ما نسب إليه من الألوهية، أو أنّه ابن (للّه) كان كذبا و افتراء
[١]- «زاغوا»: من مادّة (زيغ) بمعنى الانحراف عن الطريق المستقيم.