الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٣ - آيات للمتفكّرين
لا يوجد شخص يعلم- بوضوح- حقيقة الحياة و لا حقيقة الموت، إلّا أنّ الذي نعلمه عنهما هو آثارهما. و العجيب أنّ الحياة أقرب شيء لنا و لكنّنا لا نعرف أي شيء عن حقيقتها و أسرارها.
و النقطة الجديرة بالملاحظة هنا أنّ جملة (يحيي و يميت) جاءت بصورة فعل مضارع ممّا يدلّل على استمرار مسألة الحياة و الموت على طول الأزمنة، و إطلاق هذين المعنيين لا يشمل حياة و موت الإنسان في هذا العالم فقط، بل يشمل كلّ حياة و ممات بدءا من الملائكة و انتهاء بكلّ موجود حيّ من الحيوانات و النباتات المختلفة، كما أنّها لا تقتصر على الحياة الدنيا فقط، بل تشمل حياة البرزخ و القيامة أيضا.
نعم، إنّ الموت و الحياة بكلّ أشكالها بيد القدرة الإلهية المتعالية.
ثمّ يتطرّق سبحانه إلى ذكر خمس صفات اخرى حيث يقول: هُوَ الْأَوَّلُ وَ الْآخِرُ وَ الظَّاهِرُ وَ الْباطِنُ وَ هُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ.
الوصف هنا ب الْأَوَّلُ وَ الْآخِرُ تعبير رائع عن أزليّته و أبديّته تعالى، لأنّنا نعلم أنّه وجود لا متناهي و أنّه (واجب الوجود) أي أنّ وجوده من نفس ذاته، و ليس خارجا عنه حتّى تكون له بداية و نهاية، و بناء على هذا فإنّه كان من الأزل و سيبقى إلى الأبد.
إنّه بداية عالم الوجود، و هو الذي سيبقى بعد فناء العالم أيضا.
و بناء على هذا فإنّ التعبير ب الْأَوَّلُ وَ الْآخِرُ ليس له زمان خاصّ أبدا، و ليس فيه إشارة إلى مدّة زمنية معيّنة.
و الوصف ب الظَّاهِرُ وَ الْباطِنُ هو تعبير آخر عن الإحاطة الوجودية- أي وجود اللّه- بالنسبة لجميع الموجودات، أي أنّه أظهر من كلّ شيء لأنّ آثاره شملت جميع مخلوقاته في كلّ مكان، و هو خفيّ أكثر من كلّ شيء أيضا لأنّ كنه ذاته لم يتّضح لأحد.