الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٠٨ - من الذي يأتيكم بالمياه الجارية؟
على هذا المدّعى، أمّا الذين تعبدونهم من دون اللّه فما ذا عملوا؟ و ما ذا صنعوا؟
و بالرغم من أنّ ضلالكم واضح هنا في هذه الدنيا، إلّا أنّه سيتّضح بصورة أكثر في الدار الآخرة. أو أنّ هذا الضلال و بطلان دعاواكم الفارغة ستظهر في هذه الدنيا عند ما ينتصر الإسلام بالإمدادات الإلهية على جيش الكفر بشكل إعجازي و خارق للعادة، عندئذ ستتبيّن الحقيقة أكثر للجميع.
إنّ هذه الآية- في الحقيقة- نوع من المواساة للرسول الأكرم صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و المؤمنين، كي لا يظنّوا أو يتصوّروا أنّهم وحدهم في هذا الصراع الواسع بين الحقّ و الباطل، حيث أنّ الرحمن الرحيم خير معين لهم و نعم الناصر.
و يقول تعالى في آخر آية، عارضا لمصداق من رحمته الواسعة، و التي غفل عنها الكثير من الناس: قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ.
إنّ للأرض في الحقيقة قشرتين متفاوتين: (قشرة قابلة للنفوذ) يدخل فيها الماء، و اخرى (غير قابلة للنفوذ) تحفظ بالماء، و جميع العيون و الآبار و القنوات تولّدت من بركات هذا التركيب الخاصّ للأرض، إذ لو كانت القشرة القابلة للنفوذ لوحدها على سطح الكرة الأرضية جميعا و لأعماق بعيدة، فإنّ جميع المياه التي تدخل جوف الأرض لا يقرّ لها قرار، و عندئذ لا يمكن أن يحصل أحد على قليل من الماء. و لو كانت قشرة الأرض غير قابلة للنفوذ لتجمّعت المياه على سطحها و تحوّلت إلى مستنقع كبير، أو أنّ المياه التي تكون على سطحها سرعان ما تصبّ في البحر، و هكذا يتمّ فقدان جميع الذخائر التي هي تحت الأرض.
إنّ هذا نموذج صغير من رحمة اللّه الواسعة يتعلّق بموت الإنسان و حياته.
«معين» من مادّة (معن)، على وزن (طعن) بمعنى جريان الماء.
و قال آخرون: إنّها مأخوذة من (عين) و الميم زائدة. لذا فإنّ بعض المفسّرين ذهبوا إلى أنّ معنى (معين) تعني الماء الذي يشاهد بالعين بغضّ النظر عن جريانه.
إلّا أنّ الغالبية فسّروه بالماء الجاري.