الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٤٨ - مصدر النفاق و علامات المنافقين
كانوا لا يخشون الإسلام و يستطيعون التعبير عن كلّ شيء بدون حذر. و لا حاجة إلى التخفّي أو اللجوء إلى النفاق في وقوفهم بوجه الإسلام.
لكن عند ما استحكم الإسلام و اتّسع في المدينة، و أصبح أعداؤه من الضعف بحيث يصعب عليهم التجاهر في عدائهم، بل قد يتعذّر ذلك عليهم في بعض الأحيان، لهذا اختار أعداء الإسلام المهزومون أن يواصلوا خططهم التخريبية من خلال إظهار الإسلام و إبطان الكفر، و انخرطوا ظاهرا في صفوف المسلمين، بينما ظلّوا محافظين على كفرهم في باطنهم.
و هكذا تكون غالبا طبيعة أعداء كلّ ثورة و دعوة بعد اشتداد عودها و قوّة ساعدها، إذ تواجه الكثير من الأعداء و كأنّهم أصدقاء.
و من هنا نستطيع أن نفهم لما ذا نزلت كلّ تلك الآيات التي تصف المنافقين و تشرح حالهم، في المدينة و لم تنزل في مكّة.
و ممّا يجدر الإشارة إليه أنّ هذه المسألة- أي مسألة النفاق- غير محصورة بعصر الرّسول، بل إنّ جميع المجتمعات- و خاصّة الثورية منها- تكون عرضة للإصابة بهذه الظاهرة الخطيرة، و لذلك يجب أن يدرس القرآن الكريم و ما جاء فيه من تجارب و إرشادات من خلال هذه النظرة الحيوية، لا من خلال اعتبارها مسألة تاريخية لا علاقة لها بالواقع. و بهذا يمكن استلهام الدروس و الحكم لمكافحة النفاق و خطوط المنافقين في المجتمعات الإسلامية في الوقت الحاضر.
كذلك لا بدّ من معرفة صفاتهم التي ذكرها القرآن بشكل تفصيلي، ليتمّ التعرّف عليهم من خلالها استكناه خطوطهم و مؤامراتهم.
و ممّا تجدر الإشارة إليه أيضا أنّ خطر المنافقين يفوق خطر باقي الأعداء، لخفائهم و عدم القدرة على تشخيصهم بسهولة من جهة، و لكونهم أعداء يعيشون في داخل الجسم الإسلامي و ربّما ينفذون إلى قلبه نفوذا يصعب معه فرزهم و تحديدهم من جهة اخرى.