الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٦٩ - التّفسير
و هذا التّفسير يتناسب أيضا مع سبب النزول الذي ذكر لهذه الآية، حيث تحدّثنا بعض الرّوايات أنّ قسما من فقراء المسلمين كانوا يذهبون بأخبار المسلمين إلى اليهود مقابل إعطائهم شيئا من فواكه أشجارهم، فنزلت الآية أعلاه و نهتهم عن ذلك [١].
و مع ذلك فإنّ للآية مفهوما واسعا حيث يشمل جميع الكفّار و المشركين، و التعبير ب «الغضب» في القرآن الكريم لا ينحصر باليهود فقط، إذ ورد بشأن المنافقين أيضا كما في الآية (٦) من سورة الفتح، بالإضافة إلى أنّ سبب النزول لا يحدّد مفهوم الآية.
و بناء على هذا فإنّ ما جاء في الآية الشريفة يتناسب مع أمر واسع جاء في أوّل آية من هذه السورة تحت عنوان (موالاة أعداء اللّه).
ثمّ تتناول الآية أمرا يعتبر دليلا على هذا النهي حيث يقول تعالى: قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَما يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ [٢].
ذلك أنّ موتى الكفّار سيرون نتيجة أعمالهم في البرزخ حيث لا رجعة لهم لجبران ما مضى من أعمالهم السيّئة، لذلك فإنّهم يئسوا تماما من النجاة، و هؤلاء المجرمون في هذه الدنيا قد غرقوا في آثامهم و ذنوبهم إلى حدّ فقدوا معه كلّ أمل في نجاتهم، كما هو الحال بالنسبة للموتى من الكفّار.
إنّ مثل هؤلاء الأفراد من الطبيعي أن يكونوا أشخاصا غير أمناء و لا يعتد بكلامهم و عهدهم، و لا اعتبار لودّهم و صداقتهم، لأنّهم يائسون تماما من رحمة
[١]- مجمع البيان، ج ٩، ص ٢٧٦.
[٢]- ذهب بعض المفسّرين إلى احتمالات اخرى في تفسير هذه الآية من جملتها: أنّهم ينسوا من ثواب الآخرة كما يئس المشركون من إحياء أصحاب القبور، إلّا أنّ التّفسير الذي ذكرناه أعلاه أنسب (و ممّا يجدر الانتباه إليه أنّه طبقا للتفسير الأوّل فإنّ (من أصحاب القبور) وصف للكفّار و طبقا للتفسير الأخير فإنّها متعلّقة ب (يئس).