الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٦٦ - ٣- الطاعة بالمعروف
و على كلّ حال، فقد كتب المفسّرون في قصّة بيعة هند:
«روي أنّ النبي بايعهنّ و كان على الصفا، و هند بنت عتبة متنقّبة متنكّرة خوفا من أن يعرفها رسول اللّه، فقال أبايعكن على أن لا تشركن باللّه شيئا، فقالت هند:
انّك لتأخذ علينا أمرا ما أخذته على الرجال.
و ذلك انّه بايع الرجال يومئذ على الإسلام و الجهاد فقط، فقال رسول اللّه: و لا تسرقن. فقالت هند: إنّ أبا سفيان ممسك و انّي أصبت من ماله هنات فلا أدري أ يحلّ لي أمّ لا؟ فقال أبو سفيان: ما أصبت من مالي فيما مضى و فيما غبر فهو لك حلال .. فضحك رسول اللّه و عرفها فقال لها: و انّك هند بنت عتبة، فقالت: نعم فاعف عمّا سلف يا نبي اللّه عفا اللّه عنك. فقال: و لا تزنين. فقالت هند: أو تزني الحرّة، فتبسّم عمر بن الخطاب لما جرى بينه و بينها في الجاهلية، فقال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:
«و لا تقتلن أولادكن، فقالت هند: ربّيناهم صغارا و قتلوهم كبارا و أنتم و هم أعلم.
و كان ابنها حنظلة بن أبي سفيان قتله علي بن أبي طالب عليه السّلام يوم بدر. و قال النبي:
و لا تأتين ببهتان قالت هند: و اللّه إنّ البهتان قبيح و ما تأمرنا إلّا بالرشد و مكارم الأخلاق، و لمّا قال: و لا يعصينك في معروف قالت هند: ما جلسنا مجلسنا هذا و في أنفسنا أن نعصيك في شيء» [١].
٣- الطاعة بالمعروف
إنّ من جملة النقاط الرائعة المستفادة من الآية أعلاه هو تقييد طاعة الرّسول بالمعروف، مع أنّ الرّسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم معصوم، و لا يأمر بالمنكر أبدا، و هذا التعبير الرائع يدلّل على أمر في غاية السمو، و هو أنّ الأوامر التي تصدر من القادة الإسلاميين- مع كونهم يمثّلون القدوة و النموذج- لن تكون قابلة للتنفيذ و محترمة إلّا إذا كانت
[١]- مجمع البيان، ج ٩، ص ٢٧٦، و جاء القرطبي في تفسيره بهذه القصّة باختلاف يسير، و كذلك السيوطي في الدرّ المنثور، و أبو الفتوح في تفسير روح الجنان (في نهاية الآيات مورد البحث).