الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٠١ - دور المنافقين في فتن اليهود
و لا يختّص هذا الأمر بما حدث تأريخيا في صدر الإسلام، بل إنّنا نلاحظ اليوم بأعيننا نماذج و صورا حيّة لا تخفى على أحد، في طبيعة تعامل المنافقين في الدولة الإسلامية مع مختلف الفصائل المعادية للإسلام، و سوف تصدق أيضا في المستقبل القريب و البعيد. و من المسلّم أنّ المؤمنين الصادقين إذا التزموا بواجباتهم فإنّهم سينتصرون عليهم، و يحبطون خططهم.
و الآية اللاحقة تتحدّث عن سبب هذا الاندحار، حيث يقول سبحانه: لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ.
و لأنّهم لا يخافون اللّه، فإنّهم يخافون كلّ شيء خصوصا إذا كان لهم أعداء مؤمنون مثلكم ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ.
«رهبة» في الأصل بمعنى الخوف المقترن بالاضطراب و الحذر، فهو خوف عميق له جذور و تظهر آثاره في العمل.
و بالرغم من أنّ الآية أعلاه نزلت في يهود بني النضير و أسباب اندحارهم أمام المسلمين، إلّا أنّ مقصودها حكم عام و كلّي، لأنّه لن يجتمع في قلب الإنسان خوفان: الخوف من اللّه، و الخوف من غيره. لأنّ كلّ شيء مسخّر بأمر اللّه، و كلّ إنسان يخشى اللّه و يعلم مدى قدرته لا ينبغي أن يخاف من غيره.
إنّ مصدر جميع هذه الآلام هو الجهل و عدم إدراك حقيقة التوحيد، و لو كان مسلمو اليوم بالمعنى الواقعي (يعني مؤمنين موحّدين حقّا) فإنّهم لا يقفون بشجاعة أمام القوى الكبرى بإمكاناتها المادية و العسكرية فحسب، بل إنّ القوى الكبرى هي التي تخشاهم و تخاف منهم، كما نلاحظ نماذج حيّة لهذا المعنى، حيث نرى دولا كبرى مع ما لديها من الأسلحة و الوسائل المتطوّرة تخشى شعبا صغيرا لأنّه مسلّح بالإيمان و متّصف بالتضحية.
و شبيه هذا المعنى ما ورد في قوله تعالى: سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا