الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٢٦ - احترام أهل السابقة و الإيمان
يديه من المهاجرين و الأنصار- أهل بدر- فشقّ ذلك على من أقيم من مجلسه، و عرف النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم الكراهة في وجوههم، فقال المنافقون: أ لستم تزعمون أنّ صاحبكم هذا يعدل بين الناس؟ و اللّه ما رأيناه قد عدل على هؤلاء! إنّ قوما أخذوا مجالسهم و أحبّوا القرب من نبيّهم، فأقامهم و أجلس من أبطأ عنه .. فبلغنا
أنّ رسول اللّه قال: «رحم اللّه رجلا يفسح لأخيه»
فجعلوا يقومون بعد ذلك سراعا، فيفسح القوم لإخوانهم و نزلت هذه الآية [١].
التفسير
احترام أهل السابقة و الإيمان:
تعقيبا على الموضوع الذي جاء في الرّوايات السابقة حول ترك (النجوى) في المجالس، يتحدّث القرآن عن أدب آخر من آداب المجالس حيث يقول سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجالِسِ فَافْسَحُوا [٢] يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ.
«تفسّحوا» من مادّة (فسح) على وزن قفل بمعنى المكان الواسع، و بناء على هذا، فإنّ التفسّح بمعنى التوسّع، و هذه واحدة من آداب المجالس، فحين يدخل شخص إلى المجلس فإنّ المرجو من الحاضرين أن يجلسوا بصورة يفسحوا بها مجالا له، كي لا يبقى في حيرة و خجل، و هذا الأدب أحد عوامل تقوية أواصر المحبّة و الودّ على عكس النجوى التي أشير إليها في الآيات السابقة، و التي هي أحد عوامل التفرقة و الشحناء، و إثارة الحساسيات و العداوة.
[١]- تفسير روح المعاني، ج ٢٨، ص ٢٥. و مجمع البيان، ج ٩، ص ٢٥٢، و نقل مفسّرون آخرون نفس النصّ باختلاف قليل كالفخر الرازي و القرطبي و السيوطي في الدرّ المنثور و في ظلال القرآن أيضا في نهاية الآية مورد البحث.
[٢]- إنّ اختلاف التعبيرين- تفسّحوا و افسحوا- عن الآخر و هو أنّ أحدهما من تفعّل، و الآخر من الثلاثي المجرّد، و يمكن أن يكون الفرق أنّ الأوّل له صفة التكلّف، و الآخر خال من هذه الصفة، يعني كما لو قال قائل: افسحوا للشخص الذي يقدم توّا، فإنّ الجالسين بدون أن يشعروا بالتكلّف يتفسّحون، (يرجى ملاحظة ذلك).