دروس في الرسائل - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ٢٣٦ - المقام الثاني في وقوع التعبّد به في الأحكام الشرعية
حكم الله في حقه، فالعمل على ما يطابقه بلا استناد إليه ليس عملا به، فصحّ أن يقال: إنّ العمل بالظن و التعبّد به حرام مطلقا، وافق الاصول أو خالفها. غاية الأمر أنّه إذا خالف الاصول يستحق العقاب من جهتين: من جهة الالتزام و التشريع، و من جهة طرح الأصل المأمور بالعمل به حتى يعلم بخلافه، و قد اشير في الكتاب و السنّة إلى الجهتين.
فممّا اشير فيه إلى الاولى قوله تعالى: قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ [١]، بالتقريب المتقدّم، و قوله ٦: (رجل قضى بالحقّ و هو لا يعلم) [٢].
و ممّا اشير فيه إلى الثانية قوله تعالى: إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً [٣]،
يقول المصنّف ;: إنّ العمل به على وجه الاحتياط، أو الاشتهاء لا يسمّى عملا بالظن، بل يقال عليه العمل به من باب التسامح، فالعمل به حقيقة هو أن يكون على وجه التعبّد و الاستناد إليه، و على هذا يصح أن يقال: (إنّ العمل بالظن و التعبّد به حرام مطلقا) إذ إطلاق العمل به يختصّ فيما إذا كان العمل به على وجه التعبّد به، و هو حرام مطلقا، سواء كان موافقا للاصول، أو مخالفا لها. غاية الأمر إذا كان مخالفا لها يكون المكلّف مستحقا للعقاب من جهتين: جهة التشريع، و جهة طرح الاصول و الأدلة.
(و قد اشير في الكتاب و السنّة إلى الجهتين).
و ما اشير به إلى الجهة الاولى، أي: الحرمة التشريعية قوله تعالى: قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ [٤].
و قد تقدّم تقريب هذه الآية على الحرمة التشريعية، و كذا تقدّم تقريب الحديث الراجع إلى القضاة.
(و ممّا اشير فيه إلى الثانية قوله تعالى: إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً.)
أي: إنّ ما يكون في الحق هو العلم و الاصول و الأدلة المعتبرة شرعا، بينما الظن لا يقوم مقام ما هو حق، فإذا كان العمل به موجبا لطرح الحق كان محرّما قطعا، فالآية تدل
[١] يونس: ٥٩.
[٢] الوسائل ٢٧: ٢٢، أبواب صفات القاضي و ما يجوز أن يقضي به، ب ٤، ح ٦.
[٣] يونس: ٣٦.
[٤] يونس: ٥٩.