دروس في الرسائل - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ٤٩ - الأول هل القطع حجّة سواء صادف الواقع أم لم يصادف
بأنّ العقل مستقلّ بقبح التجرّي في المثال المذكور، و مجرّد تحقّق ترك قتل المؤمن في ضمنه مع الاعتراف بأنّ ترك القتل لا يتصف بحسن و لا قبح لا يرفع قبحه، و لذا يحكم العقل بقبح الكذب و ضرب اليتيم إذا انضمّ إليهما ما يصرفهما إلى المصلحة إذا جهل الفاعل بذلك، ثم إنّه ذكر هذا القائل في بعض كلماته: «إنّ التجرّي إذا صادف المعصية الواقعيّة تداخل عقابهما».
و ملخّص الفرق: إنّ ما انيط به عدم استحقاق العقاب في الدليل العقلي من الأمر غير الاختياري، أعني عدم المصادفة محرز و معلوم لا يحتاج إلى الإثبات، فيصح أن يقال بعدم العقاب لعدم المصادفة، و هذا بخلاف ما نحن فيه، حيث يكون رفع قبح التجرّي منوطا بحسن ما هو خارج عن الاختيار، فعلى صاحب الفصول أن يثبت حسن ما هو خارج عن الاختيار كي يكون رافعا لعقاب التجرّي.
و بعبارة اخرى: إنّ الفرق بين المقام و بين ما تقدم في الدليل العقلي بأن الخصم في السابق يدّعي اقتضاء ارتكاب ما اعتقده حراما لاستحقاق العقاب، و عدم مانعية عدم المصادفة، فيكفي في ردّه احتمال مانعية عدم المصادفة، فعليه إثبات عدم المانعية، هذا بخلاف ما نحن فيه، لأن المفصّل يدّعي كون التجرّي مقتضيا للاستحقاق، و أن حسن الفعل في الواقع مانع، حيث منعنا حسن ما هو الخارج عن الاختيار، فعليه أن يثبت مانعية ما هو خارج عن الاختيار، و لا يكفيه احتمال المانعية.
و ثانيا: (بأن العقل مستقل بقبح التجرّي في المثال المذكور ... ثم إنّه ذكر هذا القائل في بعض كلماته: «إنّ التجرّي إذا صادف المعصية الواقعية تداخل عقابهما»).
و يرجع حاصل كلامه إلى أنّه إذا صادف الفعل المتجرّى به المعصية الواقعية كان فيه ملاكان للقبح: ملاك التجرّي، و ملاك المعصية، فحكم بتداخل العقابين، فهنا صغرى و هي: اجتماع التجرّي مع المعصية الواقعية، و كبرى و هي: تداخل عقابهما، فلا بدّ من البحث عن كل واحدة منهما، فنقول:
إنّ اجتماع التجرّي و المعصية لا يعقل، إذ النسبة بينهما هي التباين، لأنّ التجرّي: هو مخالفة القطع المخالف للواقع، و المعصية: هي مخالفة القطع المصادف له، فالجمع بينهما جمع بين النقيضين، فلا يمكن اجتماعهما حتى نلتزم بالعقابين ثم بتداخلهما، الّا أن يريد