بهجة المحافل و بغية الأماثل - عماد الدين يحيى بن أبي بكر العامري - الصفحة ٣ - خطبة الكتاب و الكلام على تفسيرها
الحمد للّه الواحد البر الرحيم* الفاطر الصمد العليم* الذي بعث محمدا (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) بالحنيفية السمحة و الدين القويم* و بصر به بعد العمى و كشف به الغما و هدا به من الضلالة و آتاه الخلق خالصا من شوائب الآفات و عملا صالحا يجري علىّ بعد الممات و ان يبلغنى بمنه ما أنا منه آمل. و ان يحشرني و والدى و مشايخى و سائر المؤمنين في زمرة نبيه محمد خاتم النبيين (٦ و على آله و صحبه أجمعين) ما ضحك البرق مبتسما و بكي الودق منسجما و أحيا الحيا موات الارض. فانتعش به كل غصن ذابل.
آمين (شرح بعض ألفاظ الخطبة) قال المؤلف غفر اللّه زلته و أقال عثرته آمين.
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ)
(الحمد للّه) بدأ بهما تأسيا بالقرآن العظيم و عملا بقوله ٦ كل امر ذى بال لا يبدأ فيه ببسم اللّه الرحمن الرحيم أقطع أخرجه الرهاوى في الاربعين من حديث أبى هريرة و لابن ماجه و البيهقي في السنن و الرهاوى من حديثه لا يبدأ فيه بالحمد للّه زاد الرهاوى و الصلاة على فهو أقطع أبتر ممحوق من كل بركة و منه يؤخذ تفسير أجذم الذي في صحيح ابن حبان و معنى ذى بال أى حال يهتم به و جمع بين الابتداءين عملا بالروايتين و اشارة الى عدم تعارضهما اذ الابتداء حقيقى و اضافي فبالبسملة حصل الاول و بالحمد للّه حصل الثاني و قدم البسملة عملا بالكتاب و الاجماع و اشتقاق الاسم و الحمد و متعلقاتهما مستوفاة في كتب الفقه فلا نطيل بذكرها (البر) هو العطوف على عباده المحسن الى جميع خلقه بالبر و الرزق (الفاطر) هو الخالق المخترع على غير مثال سابق (الصمد) هو السيد الذي انتهى سؤدده أو الدائم الباقى بعد فناء خلقه أو الذي يصمد إليه في النوائب أو الذي لا جوف له أو الذي لا يأكل و لا يشرب أو المقصود أو الذي لا عيب فيه أو المالك أو الحليم أو الملك أو الكامل أو الذي لا شيء فوقه أو الذي لا يوجد أحد بصفته أقوال (محمدا) سمى به لكثرة خصاله المحمودة و سيأتى بسط الكلام عليه حيث ذكره المصنف (بالحنيفية) هي المائلة عن كل دين الى دين الاسلام و الحنف لغة الميل و حذف الموصوف و هو الملة (السمحة) أى التي لا حرج فيها و لا ضيق (و الدين) أى دين الاسلام (القويم) الذي لا اعوجاج فيه (و بصر به بعد العمى) أى هدى به بعد الضلالة (و كشف) أى أزال به (الغما) بضم المعجمة و تشديد الميم و هو الغم العظيم و أصلها المد لكن يقصر لمجاورة العمى (و آتاه) بمد الهمزة أى أعطاه (الخلق) بضم اللام و سكونها الدين و الطبع و السجية و حقيقتها صورة الانسان الباطنة و هى نفسه و معانيها و أوصافها و لها أوصاف حسنة و سيئة و الثواب و العقاب يتعلقان باوصاف الصورة الباطنة أكثر من تعلقهما بالصورة الظاهرة و كان ٦ من ذلك بالمحل الأعلى كما وصفه جل و علا «إِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ» أى دين عظيم بقوله لا دين أحب الى اللّه تعالى و لا أرضا عنده منه و هو الاسلام و قيل القرآن و قيل آدابه و قيل ما كان يأتمر به من أمر اللّه و ينتهي عنه من نهي اللّه و قيل لانه امتثل تأديب اللّه عز و جل بقوله «خُذِ الْعَفْوَ وَ أْمُرْ بِالْعُرْفِ» الآية و فسر عياض الخلق العظيم بالطبع الكريم و قيل ليس له همة الا اللّه