بهجة المحافل و بغية الأماثل - عماد الدين يحيى بن أبي بكر العامري - الصفحة ٢٦ - مطلب و أما ما جاء في فضل المدينة
و لا يثبت احد على لأوائها وجدها الا كنت له شفيعا أو شهيدا يوم القيامة و انه لا يريدها احد بسوء الا أذابه اللّه ذوب الرصاص أو ذوب الملح في الماء (و ما رويناه) خارج الصحيحين انه (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) قال المدينة مهاجري فيها مضجعى و فيها مبعثي حقيق على أمتى حفظ جيرانى ما اجتنبوا الكبائر من حفظهم كنت له شهيدا أو شفيعا يوم القيامة و من لم يحفظهم سقي من طينة الخبال. و قال غبار المدينة شفاء من الجذام و قال كل البلاد افتتحت بالسيف و المدينة افتتحت بالقرآن و قال ما على الارض بقعة هي أحب إلي من أن بمدة حياته ٦ (لاوائها) بسكون الهمزة و بالمد و التحتية هي الشدة و ما يعظم مشقته و يحرج له الصدر من ضيق عيش أو قحط أو خوف و نحو ذلك (و جهدها) بفتح الجيم و هي لغة قليلة و بضمها هو المشقة و اما بمعنى الطاقة فالمشهور بالضم و حكى بالفتح (الا كنت له شفيعا أو شهيدا) الاظهر ان أو هنا ليست للشك فلا يزيد القارئ بعدها قال بل اما للتقسيم فيكون شفيعا للعاصين و شهيدا للمطيعين أو شهيدا لمن مات في حياته و شفيعا لمن مات بعده و هذه خصيصة زائدة لاهل المدينة على شهادته لجميع الامة و اما بمعنى الواو على حد قوله مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ فيكون لاهل المدينة شفيعا و شهيدا هذا معنى ما قال عياض (و انه لا يريدها أحد بسوء) قاله مسلم في صحيحه قال ابن حاتم في حديث ٧ بن نحس بدل سوء شرا و في رواية بدهم بكسر الموحدة و فتح المهملة و سكون الهاء و هي المقاتلة و الامر العظيم (الا اذابه اللّه) أي أهلكه (ذوب) مصدر ذاب يذوب (الرصاص) مثلث الراء و الفتح أشهر أي في النار كما في بعض روايات مسلم قال عياض و هو يرفع اشكال الاحاديث التي لم يذكر فيها و تبين ان هذا حكمه في الآخرة قال و قد يكون المراد به من أرادها في حياة النبيّ ٦ كفى المسلمون شره و اضمحل كيده كما يضمحل الرصاص في النار أو يكون ذلك لمن أرادها في الدنيا فلا يمهله اللّه و لا يمكن له سلطانا بل يذهبه عن قريب كما انقض بنيان من حاربها أيام بني أمية مثل عقبة بن مسلم فانه هلك في منصرفه عنها ثم هلك مرسله يزيد بن معاوية على أثر ذلك و غيرهما ممن صنع صنعهما قال و قيل و قد يكون المراد من كادها اغتيالا و طلبا لغرتها في غفلة فلا يتم له أمره (أو ذوب الملح في الماء) ليست أو للشك قيل الاول في رواية و هذا في أخرى (مهاجري) بضم الميم و فتح الجيم أى موضع هجرتي (فيها مضجعي) يعني قبره ٦ و هذا من اعلام النبوة (حقيق) أي واجب (جيراني) يعني أهل المدينة و من داناهم و أراد حفظهم من الاذى مطلقا ما لم يرتكبوا ما يوجب حدا فان ارتكبوه أقيم عليهم كغيرهم كما يرشد إليه قوله (ما اجتنبوا الكبائر) جمع كبيرة و هي كل ما جاء فيها وعيد شديد في الكتاب أو السنة و ان لم يوجب حدا و عرفت بانها كل جريمة تؤذن بقلة اكتراث مرتكبها بالدين ورقة الديانة (كنت له شفيعا الى آخره) يأتى فيه ما مر قريبا في أهل المدينة (سقى من طينة الخبال) بفتح المعجمة و الموحدة و هي عرق أهل النار و ما ينحل من أجسادهم بذوبانها (غبار المدينة شفاء من الجذام) أخرجه أبو نعيم في الطب من حديث ثابت بن قيس بن شماس و لابن السني يبرئ الجذام و للزبير بن بكار يطفئ الجذام (كل البلاد افتتحت بالسيف الى آخره) أخرجه البيهقي في الشعب من حديث عائشة و أراد ٦ بذلك قدوم